الصفحة 49 من 132

وخدموا السنة النبوية الشريفة خدمة لم يُخدم بِها علم من العلوم حتى قيل: العلوم ثلاثة: علم نَضِج وما احترق ، وهو علم النحو وأصول الفقه ، وعلم ما نضج ولا احترق ، وهو علم البيان والتفسير ، وعلم نضج واحترق ، وهو علم الحديث .

والمراد بالنضج والاحتراق هنا: أن المحدثين وضعوا كتبًا في تراجم الرجال ، وحصروا الثقات والضعفاء ، وأحصوا شيوخهم وتلاميذهم ، والبلدان التي دخلوها ، والأحاديث التي رووها ، وأقوال النقاد فيهم ، ووضعوا القواعد التي تميز بين المقبول والمردود ، واستوفوا كل شاردة وواردة في شأن نقلة الحديث حتى أربوا على الغاية ، ولذلك قالوا: علم الحديث علم نضج واحترق ، فتوطدت دعائم السنة واستقام أمر الشريعة .

5-التسرع في الحكم على الأحاديث دون استكمال الأدوات اللازمة لذلك

الحكم على الحديث بالقبول والرد هو ثمرة علم المصطلح ، وهى ثمرة بعيدة المنال صعبة الالتقاط إلا على من درس هذا العلم وتبحر في معرفة قواعده ، وقد وضع العلماء علومًا متعددة تُوصِّل بجملتها إلى نيل هذه الثمرة فاشترطوا معرفة القواعد المتعلقة بالإسناد والمتن ، كما اشترطوا حصول معرفة وملكة تتولَّد عند العالم من كثرة النظر في الأحاديث .

وعندما تجرَّأ البعض في الحكم على الأحاديث دون دراسة هذه العلوم أفتى ابن الصلاح بانسداد هذا الباب ، وعدم جواز التصحيح والتضعيف ، وأن الواجب على العلماء أن يقبلوا أحكام السلف المتقدمين وأن يتابعوهم في ذلك [1] .

وأرى أن هذا الرأي تولَّد عند ابن الصلاح خشية أن يتجرا على الحكم علي الحديث من لا يصلح لذلك فأفتى بالأحوط .

ولذلك خالفه علماء عصره ومن لحقهم من العلماء ، وأفتوا بجواز الحكم على الحديث إذا استكمل العالم الأدوات اللازمة لذلك ، ثم حذَّروا من الحكم على الأحاديث بغير علم ، وبيَّنوا أن في ذلك إفساد الدين والدنيا .

(1) - راجع: علوم الحديث لابن الصلاح ص 16 ، 17 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت