الصفحة 55 من 132

وهذه الدعوة تبدو مقبولة لدى كثير من المثقفين ، والذين لم يدرسوا علوم الشريعة بعمق ، ولكنها عند التدقيق العلمي لا تعني شيئًا ، ولا تنتج منهجًا جديدًا في علوم الشريعة ، وإنما تنتج الفوضى في قبول الأحاديث ورفضها .

وشبهتهم باطلة ، وحجتهم داحضة لأننا لو سلمنا لهم بذلك فأي عقل هذا الذي تُعرض عليه الأحاديث ؟

والعقل الذي يريدون أن يتحاكموا إليه يختلفون في تحديده ، فأي عقلٍ يريدون أن يُحَكِّمُوه ويعطوه من السلطة أكثر مما أعطاه علماؤنا في قواعدهم الدقيقة ؟

فليس عندنا عقل واحد نقيس به الأمور ، فالعقول متفاوتة في فهمها للأمور وإدراكها للأشياء ، والمقاييس مختلفة ، والمواهب متباينة ، فما لا يعقله فلان ولا يفهمه قد يراه آخر معقولًا مفهومًا ، كما أن ما يخفى على الناس في بعض العصور حكمته وسر تشريعه قد يتجلى لهم في عصر آخر مقبول الحكمة واضح المعنى حين تتقدم العلوم وتنكشف أسرار الحياة .

ففتح الباب في نقد المتن بناءً على حُكم العقل الذي لا نعرف له ضابطًا ، والسير في ذلك بخطى واسعة على حسب رأي الناقد وهواه الناشئ في الغالب عن قلة إطلاع ، أو قصر نظر ، أو غفلة عن حقائق أخرى .

إن فتح الباب عن مصراعيه لمثل هؤلاء الناقدين سيؤدي حتمًا إلى فوضى لا يعلم إلا الله منتهاها ، وإلى أن تكون السنة الصحيحة غير مستقرة البنيان ولا ثابتة الدعائم ، ففلان ينفي هذا الحديث لأن عقله لا يستسيغه ، وفلان يثبته ، وفلان يتوقف فيه ، وذلك أمر طبيعي لأن العقول مختلفة في الحكم والرأي والثقافة والعمق ؛ فكيف يجوز هذا ؟!

والعقول تختلف فيما بينها فما هو العقل الكامل الذي يريدون تحكيمه ؟ أهو عقل العوام أم عقل الفلاسفة أم عقل الأطباء أم عقل الساسة والحكام ؟

والعقل قد يرفض شيئًا لغرابته ثم يُقِرُّ به بعد ذلك ، وكم من أحلامٍ وخيالات رفضها العقل قديمًا فأصبحت الآن حقائق واقعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت