فهرس الكتاب
وليس في الإسلام ما يحكم العقل باستحالته ، ولكن فيه ما يستغربه العقل خاصة في أمور الغيب ، فالواجب على العقل المخلوق أن يعرف قدره ، ولا يتجاوز حدوده ، ولا يتطاول على خالقه وربه فإذا ثبت النص فقد صدق الله وإن لم يستطع العقل فهم مدلوله فهذه هي العبودية حقًا .
ولابد من التفريق بين المستحيل والمستغرب فإن رد المستغرب وتكذيبه تهور طائش ينشأ من اغترار الإنسان بعقله فإن كثيرًا من الأمور التي كانت غامضة أصبحت اليوم واضحة ، وما كان في الأمس حقيقة ربما أصبح اليوم خرافة [1] .
والعقل ليس معصوما في أفكاره ومعارفه ولكن الوحي الثابت هو المعصوم ، والواجب على المسلم هو التسليم له ، والانقياد لأحكامه ، وإن بدا غريبًا في بعض الأشياء .
والمطالع لكتب أئمة الحديث يعلم يقينًا أن أئمة الحديث ، وفقهاء المسلمين لم يعطلوا عقولهم عند الحكم على الحديث ، وإنما أوقفوها عند الحد الذي يجب أن تقف عنده تأدُّبًا مع الله ، فلا ترقى العقول لمناهضة الوحي ، وإنما واجبها محاولة الفهم ثم التسليم والانقياد .
وقد وضع أئمة النقد من علماء الحديث علامات لمعرفة الحديث الموضوع منها: أن يكون متنه مخالفًا لبدائه العقول ، أو للمقطوع به من الدين أو التاريخ أو الطب أو غير ذلك .
وبهذه الطريقة رفضوا أحاديث كثيرة وحكموا عليها بالوضع .
وما أحسن ماقال ابن الجوزي: ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول ، أو يخالف المنقول ، أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع [2] .
(1) راجع: السنة ومكانتها في التشريع ص 39 .
(2) تدريب الراوي 1 / 277 .