الصفحة 57 من 132

والأحاديث التي صححها علماؤنا رحمهم الله ليس فيها ما يرفضه العقل أو يحيله لأنها إما أن تتعلق بأمور العقيدة , وهذه يجب أن تتفق مع القرآن , ونحن نقطع بأنه ليس في القرآن شيء يحكم العقل بفساده أو بطلانه أو إستحالته , وإما أن تتعلق بالاحكام الشرعية من عبادات ومعاملات وآداب غيرها , وليس في حديث من هذه الأحاديث التي صححها علماؤنا ما يرفضه العقل أو يحكم باستحالته ، وإما أن تكون أخبارا عن الأمم الماضية ، أو أخبارا عن عالم الغيب مما لا يقع تحت النظر كشؤون السموات والحشر والجنة والنار , وهذه ليس فيها ما يحكم العقل ببطلانه , وقد يكون فيها ما لا يدركه العقل فيستغربه .

فإذا جاءت هذه الأحاديث من طريق ثابت يفيد القطع فيجب اعتقادها , وإن جاءت عن طريق يفيد غلبة الظن فليس من شأن المسلم أن يبادر بتكذيبها .

وبهذا نرى أن فريقا كبيرًا من الناس لا يفرقون بين ما يرفضه العقل وبين ما يستغربه , فيساوون بينهما في سرعة الإنكار والتكذيب , مع أن حكم العقل فيما يرفضه ناشئ من استحالته , وحكم العقل فيما يستغربه ناشئ من عدم القدرة على تصوره ، وفرق كبير بين ما يستحيل وبين ما لا يدرك .

على أننا نرى من الاستقراء التاريخي , وتتبع التطور العلمي والفكري أن كثيرا مما كان غامضا على العقول بالأمس أصبح اليوم مفهومًا واضحًا بل إن كثيرا مما كان يُعتبر حقيقة من الحقائق أصبح اليوم خرافة من الخرافات ، وما كان مستحيلا بالأمس أصبح اليوم واقعا ، ولو أن إنسانًا عاش في القرون الوسطى فكر فيما وصل إليه الإنسان الآن لعُدَّ من المجانين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت