فهرس الكتاب
من ذلك كله نستخلص قاعدة هامة: هي وجوب الوقوف عند حد الشارع من عزيمة ورخصة ، واعتقاد أن الأخذ بالأرفق الموافق للشرع أولى من الأشق المخالف له .
والمجتمع الإسلامي الأول كانت الصفة المميزة له هذا التيسير على الناس حتى أصبح سلوكهم في العبادات والمعاملات ميسرًا .
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"كان تاجر يُداين الناس فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه" [1] .
وكانوا يلومون على المشددين ويلفتون أنظارهم إلى سماحة الإسلام ويسره فعن أبي موسى الأشعري أنه كان يشدد في البول ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه .
فقال حذيفة: ليته أمسك أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سباطة قوم فبال قائمًا [2] .
فأنت ترى قول حذيفة رضوان الله عليه: ليته أمسك حين شعر بشدة أبي موسى وقال: إن الأمر ليس هكذا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يبول قائمًا .
وفي رواية الإسماعيلي قال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد ، واحتج حذيفة بهذا الحديث لأن البائل عن قيام قد يتعرض للرشاش ولم يلتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا الاحتمال فدل على أن التشديد مخالفة للسنة .
وثاني هذه المعاول هي محاولة أهل الباطل والهوى أن يدخلوا علي الإسلام ما ليس منه من نافذة السنة المطهرة عن طريق الدس والافتراء ، ولكن حفاظ الأمة سدوا عليهم هذه الأبواب ، ووضعوا شروطًا دقيقة لقبول الحديث فميزوا بين الأصيل والدخيل ، وبين الحق والباطل .
(1) البخاري كتاب البيوع باب من أنظر معسرًا ( 4 / 361 ) رقم 2978 ، ومسلم كتاب المساقاة باب فضل إنظار المعسر ( 3 / 1196 ) رقم 1562 .
(2) البخاري كتاب الوضوء باب البول عند سباطة قوم ( 1 / 394 ) رقم 226 ، ومسلم كتاب الطهارة باب المسح على الخفين ( 1 / 228 ) رقم 273 .