وظل المسلمون على هذا الفهم قرونًا طويلة ، وأزمانًا مديدة فإذا ظهر من يخالفه ويعارضه لم يلبث إلا قليلًا حتى يعلم الحق وينقاد له أو يطويه الزمن وتنقرض شبهته .
وجاء العصر الحديث وقد ضعف المسلمون وذهبت ريحهم ، وضاعت هيبتهم فبدأ أعداء الإسلام يثيرون الشبه ، ويحيون ما قضى عليه علماء المسلمين من ضلالات رغبةً منهم في تشكيك المسلمين بدينهم أولا ، ولينشغلوا بالرد على مخالفيهم ثانيا ، فلا يجدون فرصةً لنشر دينهم وإيصال تعاليمه إلى العالم أجمع كما أمرهم ربهم .
وساعدهم على ذلك ضعف المسلمين المادي ، وإحساسهم بالنقص تجاه أعدائهم ، مع جهل كثيرٍ من المسلمين بدينهم ، وتقاعس بعض العلماء والحكام عن القيام بدورهم في حماية الدين ، وحياطته ، ودفع الشبهات عنه .
وأخذ بعض المسلمين يردد شبهات المستشرقين بجهل حينًا وبعلم حينًا ، إما رغبة في المخالفة وحرصًا على الشهرة التي تنشأ من مخالفة معتقدات الناس وثوابتهم ، أو ادعاءً للحرية ونبذًا لما تعارف عليه الناس ، فأصبحوا أبواقًا للمستشرقين يلوكون ما مضغه غيرهم وينشرون أفكارهم .
فأصبح الإسلام يحارَب في معسكرين وأصبحت السنة في مواجهة خصمين:
خصم خارجي قوي يلبس لبوس العلماء ويدعي الحياد وهو لا يرقب في المسلمين إلًا ولا ذمة ، يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويؤولون النصوص لتناسب ادعاءاتهم .
وخصم داخلي يلبس لبوس الحرص على الإسلام وتنقيته والدفاع عنه ، ويحمل معاول الهدم ، وأسلحة الطعن ، ويوهم الآخرين أنها آلات بناء وتنوير وإصلاح .
ولذلك عظُم الخطب وادلهمَّ الأمر ، واحتاج العلماء المحققون والأئمة المجتهدون أن يوضحوا من الحقائق ما كان ينبغي أن يكون أوضح من الشمس في رابعة النهار .
فأظهروا أهمية السنة ، وحجيتها ، ومكانتها من مصادر التشريع في الإسلام ، وأنه لا يمكن الاستغناء عنها ، وأن لها قواعد حاكمة ، وضوابط مقرَّرة لا ينبغي الغفلة عنها .