فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 292

والمعنى أن سنّة الله تعالى في الأمم التي كذبت رسلها أن الله تعالى أخذها بالبأساء وبالضرّاء أي بالشدة في أنفسهم وأبدانهم وأرزاقهم وأموالهم ، وقد فعل الله تعالى ذلك بهم لكي يتضرعوا . والتضرع يعني الخضوع والانقياد إلى الله تعالى ؛ لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة أن يوقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى وأن يحمل أولئك المعاندين على التوجه إلى خالقهم فيتضرعوا إليه ويطلبوا رحمته وعفوه ، فلم يفعلوا ذلك فأخذهم بالرخاء ليختبرهم فيه ، ولهذا قال: (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَة) أي حوّلنا حالهم من الشدّة إلى الرخاء ومن المرض والسقم إلى الصحة والعافية ، ومن الفقر إلى الغنى ، ليشكروا على ذلك ويرجعوا إلى ربهم بالتوبة والانقياد فلم يفعلوا ذلك (حَتَّى عَفَواْ) أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم (وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء) يقول تعالى ابتليناهم بهذا وبهذا ، أي بالضرّاء والسرّاء ليتضرعوا وينيبوا إلى الله فلم ينفع فيهم لا هذا ولا هذا ، ولا انتهوا عن غيِّهم بهذا ولا بهذا ، وإنما قالوا قد مسّنا من البأساء والضرّاء ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر وهذه عادة الزمان في أهله فمرة يحصل لهم فيه الشدّة والنكد ومرّة يحصل لهم الرّخاء والرّاحة فلم يكن ما مسّنا من البأساء والضرّاء عقوبة من الله بسبب ما نحن عليه من الدين والعمل ، فلم يتفطنوا لأمر الله فيهم ولا اتعظوا ولا اعتبروا ولا استشعروا امتحان الله لهم في الحالين فاستحقوا العقاب قال تعالى: (فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) أي أخذناهم بالعقوبة بغتة أي على بغتة وعدم شعور منهم أي أخذناهم فجأة (1) .

(1) ـ تفسير القرطبي ، ج7 ، ص 252 ، تفسير ابن كثير ، ج2 ، ص 133 ، في ظلال القرآن لسيد قطب م3 ، ج8 ، ص 17 ـ 24 ، تفسير الرازي ، ج14 ، ص 183 ـ 184 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت