الصفحة 19 من 39

ب العموم والشمول

وتتميز هذه السنن أيضا بالعموم والشمول؛ فهي تنطبق على الناس جميعا، دون تمييز ودون استثناء، وبلا محاباة، فالجزاء فيها من جنس العمل، والنتائج بمقدماتها، بغض النظر عن الدين، والجنس واللون، والأصل والإيمان، والكفر، فالكل في ميزانها سواء، كما قال تعالى: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به) [1] ، فأي مجتمع أخطأ أو انحرف لقي جزاء خطئه وانحرافه ولو كان أطهر أمة، وخير مجتمع كمجتمع النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة رضي الله عنهم، وحسبنا في هذا ما دفعه الصحابة ثمنا لخطئهم في غزوة أحد، فلم يسوغ القرآن عملهم، ولما قالوا حين أصابهم ما أصابهم: أنى هذا؟! وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمين؟؟ وكيف نهزم؟! أجابهم القرآن بوضوح: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها، قلتم: أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم) [2] ، وبين لهم في آية أخرى هذا الذي هو من عند أنفسهم والذي كان سبب الهزيمة بقوله: (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم) [3] .

فمن سار على سنن الله في الحرب مثلا، ظفر بمشيئة الله وإن كان ملحدا أو وثنيا، ومن تنكبها خسر وإن كان صديقا أو نبيا، وعليه يتخرج انهزام المسلمين في غزوة أحد حتى وصل المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشجوا رأسه وردوه في تلك الحفرة [4] .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن ذلك العموم والشمول: (وسنته: عادته التي يسوي فيها بين الشيء وبين نظيره الماضي، وهذا يقتضي أنه سبحانه يحكم في الأمور المتماثلة بأحكام متماثلة، ولهذا قال(أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر) [5] وقال: (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) [6] أي أشباههم ونظراؤهم، وقال: (وإذا

(1) 44 النساء: 123

(2) 45 آل عمران: 165

(3) 46 آل عمران 152

(4) 47 تفسير المنار: ص 141

(5) 48 القمر 43

(6) 49 الصافات: 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت