الصفحة 27 من 39

المبحث الرابع: أمثلة ونماذج من سنن النهوض الاجتماعي والحضاري في القرآن الكريم

لقد أولى الباحثون والدارسون اهتماما بالغا وعناية فائقة لسنن السقوط الحضاري في القرآن الكريم، ولم يشتغلوا بالبحث عن سنن النهوض اشتغالهم بسنن السقوط، ولا يخفى_ في ضوء فقه الموازنات والأوليات_ أن حاجة المسلمين الملحة اليوم هي كيف ينهضون بعد سقوط؟ وكيف يعزون بعد ذل؟ وكيف يتقدمون بعد تراجع؟ وكيف يرقون بعد انحطاط وتخلف؟ وما هي السنن التي ينبغي أن يأخذوا بها من أجل تحقيق ذلك كله؟.

ولذلك آثرت أن أقدم للباحثين في هذه الدراسة إشارات سريعة إلى أمثلة ونماذج من سنن النهوض في القرآن الكريم التي ينبغي أن تنظر الأمة إلى واقعها من خلالها، ومنها:

السنة الأولى: سنة التغيير الاجتماعي والحضاري

من المعلوم أن هذه السنة هي أم السنن في القرآن الكريم، وهي قطب الرحي الذي تدور حوله السنن الاجتماعية الأخرى، لأنها الأصل الأصيل للقرآن باعتباره كتاب هداية، إذ إن الله تعالى إنما أنزل الكتب وأرسل الرسل لتغيير الأنفس والمجتمعات، وإخراجها من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، ولهذا سأطيل بعض النفس فيها، وأشير إلى السنن المنبثقة عنها إشارات خاطفة، لضيق المجال، مرجئا بسطها إلى بحث آخر إن شاء الله.

والتغيير في اللغة: تغير الشيء عن حاله: أي تحول، وغيره: حوله وبدله كأنه جعله على غير ما كان، وغير عليه الأمر: حوله [1] .

وأما في الاصطلاح القرآني فلم يبعد عن معناه اللغوي، قال الراغب:» والتغيير يقال على وجهين: أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته، يقال: غيرت داري: إذا بنيتها بناء غير الذي كان. والثاني: لتبديله بغيره. نحو: غيرت غلامي ودابتي: إذا أبدلتهما بغيرهما. نحو: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [2] « [3] .

وهذه الآية هي قاعدة التغيير وأساسه، وهي من الكليات القرآنية التي تنبثق عنها فروع وجزئيات كثيرة.

(1) 79 لسان العرب: مادة (غير)

(2) 80 الرعد: 11

(3) 81 مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني مادة (غير) ص: 619 بتحقيق: صفوان عدنان داودي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت