الصفحة 28 من 39

فالتغيير إذن، هو انتقال وتحول من وضع إلى وضع آخر، ومن حال إلى حال آخر، ولأنه سنة عامة، فتركيزنا هنا على الجانب الإيجابي منه، وهو التغيير نحو الأحسن؛ حيث قضى الله تعالى أنه لا يغير واقع مجتمع حتى يبدأ أفراده بتغيير ما بداخل أنفسهم من عقائد ومفاهيم وأفكار وأخلاق، ويصلحوا أحوالهم وأوضاعهم، فيغير الله تعالى حينئذ ما بهم، ويأخذ بأيديهم.

إن الأقوام والمجتمعات، لا تتغير إلا بمغير، وهو مغير من داخلها، لا من خارجها، وهو أن تغير ما بأنفسها لغير الله مابها، أي تغييره من الشر إلى الخير، ومن الانحراف إلى الاستقامة، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الغواية إلى الرشد، ومن الكسل إلى العمل، فيغير الله حالها من الضعف إلى القوة، ومن الذل إلى العزة، ومن التشرذم إلى الوحدة، ومن الانفراط إلى التماسك، ومن القنوط إلى الأمل، ومن الهزيمة إلى النصر، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الاستضعاف إلى التمكين [1] .

إن أساس كل تغيير- وفق سنة الله الاجتماعية التي لا تتبدل ولا تتحول- هو (التغيير النفسي) أو بتعبير القرآن (تغيير ما بالأنفس) ؛ فجعل القرآن علاقة عضوية وثيقة العرى بين تغيير ما بداخل النفس وتغيير الواقع الاجتماعي.

خلافا لقوانين المادية التاريخية التي تجعل الإنسان كائنا سلبيا لا إرادة له إزاء قوة المادة أو قوة الاقتصاد ووسائل الإنتاج، يقول كارل ماركس» في الإنتاج الاجتماعي الذي يزاوله الناس، تراهم يقومون علاقات محدودة لا غنى عنها، وهي مستقلة عن إرادتهم « [2] .

وبتبدل وسائل الإنتاج وتغيرها، يتغير كل (البناء الفوقي الهائل) وكافة العلاقات الاجتماعية، وقد بلغ هذا الاتجاه القسري أقصى حدته عند أحد أعمدة الفلسفة الماركسية الكبار وهو جورج بليخا نوف الذي جعل الإنسان في حركة التاريخ معلولا لا علة حينما قال:

» .... والبشر إذ يتصورون أن علاقات اجتماعية محددة قد خلقت بفضل اختيارهم الحر، إنما يقعون من جديد في الوهم الأبدي الذي يجعلهم لا يعون أنفسهم كمعولات ... [3] «.

(1) 82 الصحوة الإسلامية من المراهقة الى الرشد، للدكتور يوسف القرضاوي، ص: 115 والمبشرات بانتصار الاسلام، ص: 87 لنفس المؤلف

(2) 83 شبهات حول الاسلام لمحمد قطب: ص: 212.

(3) 84 العامل الاقتصادي في التاريخ، لجورج بليخا نوف: ص: 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت