فهرس الكتاب
هكذا بين القرآن الكريم أثر الإنسان في التغيير، وأنه مركز الثقل في حركة التاريخ، وجعله مدار الحركة التاريخية، وأوكل إليه مهمة التغيير والبناء، وكلفه بتحقيق الخلافة الإلهية على الأرض، وإنشاء العمران عليها.
وقد ذكر القرآن سنة التغيير في أكثر من موضع تارة بالنص، وتارة بالفحوى، فمما دل بعبارته الآية السابقة: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [1] ، وقوله تعالى (ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم) [2] . قال الإمام ابن عطية الأندلسي في تفسير هذه الآية:» ومعنى هذه الآية الإخبار بأن الله عز وجل إذا أنعم على قوم نعمة، فإنه بلطفه ورحمته لا يبدأ بتغييرها وتكديرها حتى يجيء ذلك منهم بأن يغيروا حالهم التي تراد وتحسن منهم، فإذا فعلوا ذلك وتلبسوا بالتكسب للمعاصي أو الكفر الذي يوجب عقابهم، غير الله نعمته عليهم بنقمته منهم، ومثال هذا نعمة الله على قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا وغيروا ما كان يجب أن يكونوا عليه، فغير الله تلك النعمة بأن نقلها الى غيرهم من الأنصار، وأحل بهم عقوبته « [3] .
ومما دل من الآيات بفحواه على سنة التغيير قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلام عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به) [4] ، وقوله: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) [5] وقوله: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) [6] وقوله: (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) [7] ،
(1) 85 الرعد: 11
(2) 86 الأنفال: 53
(3) 87 تفسير إبن عطية المسمى المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 6/ 433
(4) 88 المائدة: 14
(5) 89 الأنعام: 45
(6) 90 الأعراف: 96
(7) 91 المائدة: 65 - 66