الصفحة 30 من 39

وقوله: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) [1] ، وقوله: (لقد كان لسبإ في مساكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزي إلا الكفور) [2] وقوله: (وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا) [3] .

هذه الآيات وغيرها مما هو من جنسها تجعل المحتوى الداخلي النفسي والروحي للإنسان هو القاعدة (البناء التحتي) ، في حين تجعل الوضع الاجتماعي هو البناء العلوي (الفوقي) ، ولا يتغير البناء العلوي للمجتمعات إلا بتغير القاعدة، فخارج الإنسان يصنعه داخل الإنسان، نحو الأسوأ أو نحو الأحسن.

إن القرآن يؤمن بأن العمليتين ينبغي أن تسيرا جنبا إلى جنب، عملية صياغة الإنسان لمحتواه الداخلي وصياغته للبناء الخارجي، ولهذا سمي الحديث إصلاح الناس لأنفسهم إذا اتجه اتجاها صالحا» بالجهاد الأكبر «وسمى إصلاح المجتمع» بالجهاد الأصغر «ومع أن الحديث ضعيف كما حكم الأئمة النقاد، فإنه يوافق أصول الشريعة ومقاصدها العامة، ولا بأس من الاستشهاد به في هذا المجال، إذ لا تعلق له بالحرام والحلال.

وقد ربط الإسلام الجهاد الأصغر بالأكبر، واعتبر الأول إذا انفصل عن الثاني فقد محتواه ومضمونه، وفقد قدرته على النهوض الحضاري الحقيقي على الساحة التاريخية والاجتماعية، اقرأ مثلا آية في كتاب الله تعرض لحالة من حالات انفصال (البناء الخارجي) عن عملية (البناء الداخلي) ،يقول الله سبحانه وتعالى (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) [4] .

(1) 92 الاسراء: 16

(2) 93 سبأ: الآيات 15 - 17

(3) 94 الجن: 16

(4) 95 البقرة: 205

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت