وأنا أكتب هذا الكلام أتخيل أحدهم يقول لي: يا هذا , أتعلم عمن تتكلم , أنت تتكلم عن أناس فعلوا وفعلوا , وعملوا وعملوا , وذهبوا وأتو , وكروا وفروا , فأقول أعمالهم هذه لا تغني عنهم شيئا يوم يتركون تحكيم الشريعة , ويلتزمون تحكيم القوانين الوضعية , فالصورة باتت واضحة بما لا يدع مجالا للترقيع , حقا لقد انفرط العقد وصعب الرقع على الراقع , قال الله تعالى:"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ" (المائدة:68) , قال ابن كثير:"لستم على شيئ"يعني:"لستم على شيئ من الدين", حقا: إن من فعل مثل هذا الجرم لهو ضال ضائع تائه , لا يعرف لنفسه هدفا , أقواله متضاربة , عقيدته مذبذبه , أفعاله عشوائية ملخبطة , أخرج مالك في موطأه مرسلا ووصله الحاكم وصححه الألباني من حديث أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال:"تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهم (ما تمسكتم بهما) كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض".
سحب وزوال التمكين ممن حكم قوانين المخلوقين
وأما بالنسبة للتمكين , فسوف يسحب بساطه من تحت أرجلكم , إن لم تتوبوا إلى الله وتحكموا وتتحاكموا إلى شرعه , قال الله تعالى:"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور:55) , إذن: فشرط التمكين عبادة غير مصحوبة بشرك ولا بكفر , والله تعالى يقول:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (المائدة44) , ولنتأمل في قول الله تعالى عندما قال:"الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ"