الصفحة 46 من 91

علاقة المتكلم بالمعنى: ·

بعد أن بحثنا عنصر الخطاب نفسه وعلاقته اللغوية بالقرائن الحالية،

نأتي إلى العنصر الثاني، وهو المتكلم نفسه، ذلك أن المتفهم للخطاب لا

يستطيع الانفلات من هيمنة المتكلم واستحضاره في ذهنه وهو يحاول فهم

كلامه؛ لأنه يسأل نفسه حينها: ماذا يريد المتكلم أن يقول؟ وهو إن لم

يعرف المتكلم"بحسب أحواله من قصده وإرادته واعتقاده، وغير ذلك من"

الأمور الراجعة إليه حقيقة أو تقديرًا" (174) فإنه لايستطيع أن يفهم مراده؛"

لأن أكثر دلالات الأ لفاظ لا تستقل بالإفادة، كقصد الاستغراق من اللفظ العام

فانَّه"يحصل عن قرائن أحوال ورموز وإشارات وحركات من المتكلم"

وتغيرات في وجهه، و أمور معلومة من عاداته ومقاصده، وقرائن مختلفة لا

.(يمكن حصرها في جنس"(175"

ولذلك قرر العلماء أن المعرفة بالله تعالى: بصفاته في القرآن والسنة،

وبإعجاز النظم القرآني، وبالكون ونظامه البديع، ضرورية لمعرفة المر اد من

خطابه - سبحانه -، لأنها تنعكس على المجتهد المتفهم للخطاب، فيدرك من

كونه:. ليس كمثله شيء. (176) ، ومن أنه لطيف خبير بصير عليم حكيم،

وبآثار أفعاله في الكون، يدرك من مقتضى ذلك: امتناع الفساد في إرادته،

والعناية بما هو متيقن المصلحة، ويستدل على إرادة أو عدم إرادة النظير

بإرادة أو عدم إرادة نظيره، كما استدل الصحابة على إباحة الأفعال بإقرار

الشارع لها"وهذا استدلال على المراد بغير لفظ، بل ربما عرف من موجبه"

.(أسماؤه وصفاته، وأنه لا يقر على باطل حتى يبينه"(177"

ويقرر الشاطبي أن"أصل التخلق بصفات الله والاقتداء بافعاله" (178) من

أصول الاجتهاد، حيث إن من علوم القرآن ما هو مأخوذ من سنة الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت