الصفحة 47 من 1416

من الصعوبات التي نود أن نشير إليها والتي لم يسعف فيها النص القرآني ولا الدراسات التاريخية الخلط في المصادر بين البيئة الحضرية المكية التي بعث فيها الرسول وبين عادات وتقاليد أهل البدو والمناطق غير الحضرية، فما ورد عن العرب في الجزيرة العربية يتم تداوله مجملًا من غير تفصيل (5) ، فهل ما ورد كان خاصًا بأهل مكة من العرب , أم يشمل ما جاورهم في أصقاع الجزيرة العربية من بواد وحواضر أخرى غير مكة وهي غير قليلة وعلى صلة مباشرة بأهل مكة، وما يدعو إلى إثارة هذا التساؤل ما يمكن ملاحظته من تناقض في العادات (6) ، والقيم الواردة عنهم مجملة دون تفصيل، بل إن بعض المستشرقين شكك في مدينة مكة باعتبارها محطة للقوافل (7) .

وإذا تأملنا في القرآن نجد إشارات خاصة إلى الأعراب (8) الذين يكونون عادة حول القرى (9) ، وبينت الآيات بعض أخلاقهم وعاداتهم وكيفية تعاملهم مع الرسول مشيرة إلى كونهم أشد كفرًا وغلظة من أهل الحضر (10) ، مما يدل على تفاوت في قيم التعامل مع الرسالة بين أهل القرى وأهل البادية، كما أن الأعراب أنفسهم -كما تشير الآيات - لم يكونوا على درجة واحدة في تلقي الرسالة وتعاملهم معها (11) ، ومما يلح على ضرورة التمييز بين البدو الحضر هو ظاهرة تعميم حال البدو الرُّحَّل , واعتبارهم مقياسًا للثقافة العربية فيما قبل الإسلام (12) .

لكن بعض الباحثين لاحظ ضرورة إعادة الاعتبار للقرشيين الذين كانوا أكثر وعيًا وذكاء وإنسانية من الجموع البدوية، وأنه كانت لهم قدرات أخلاقية وفكرية استثنائية، لا يستبعد أنها تكرست عبر تحول الشخصية لأناس كانوا بدوًا في الماضي , وذلك بفضل الاستقرار الذي ساعد عليه توطد التجارة في مكة (13) .

وأن هذا الوضع الجديد للقرشيين في مكة أدى إلى دخول قيم جديدة بفضل الثروة , ومن هذه القيم النزعة الفردية , وروح المنافسة مقابل المثل الجماعية التي كانت طاغية , ويحاول هذا التفسير إبراز حاجة المجتمع إلى قيم جديدة تحافظ على القبيلة (14) .

أيًا يكن الأمر فيما يخص الاختلاف بين أهل القرى وأهل البادية وما كان سائدًا بين كل من نظُمٍ وقيمٍ، فإن من ميزات الإسلام أنه استطاع صهر المجموعات البدوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت