فهرس الكتاب
قدسية مكة ومكانتها هذه فرضت بعض الوظائف الدينية والاجتماعية لدى أهل مكة الذين شرفوا بها، وهي وظائف متداخلة، فهي اجتماعية باعتبار علاقة الأقوام والقبائل بها , ودينية من حيث ارتباطها بالبيت الحرام ورعايته، ومن هذه الوظائف التي أشار القرآن إلى قيامهم بها: النسيء وهو تحديد مواعيد الأشهر الحرم من كل عام بما يتناسب مع مصالحهم (31) ، والسقاية وعمارة المسجد الحرام ورعايته (32) .
هذه الصورة العامة لواقع مدينة مكة تدل على كونها مدينة تمتلك من مقومات النظام ما يؤهلها لقيادة ما حولها من الحواضر، بل وتنظيم العلاقات واللقاءات بين مختلف القبائل والوفود القادمة إليها، ولئن كان غامضًا طبيعة النظام الذي كان سائدًا فإن هناك إشارات قرآنية عديدة إلى بعض الآليات التي كانت سائدة في إدارة مكة وقيادتها، من ذلك ظاهرة النوادي التي كان يجتمع فيها الناس ويتداولون الشأن العام , وقد أشار القرآن إلى ذلك (33) .
إضافة إلى العديد من المفردات التي تم تداولها في القرآن , والتي تدل على وجود ملامح الشوكة والسلطة والحكم في تلك البيئة، من ذلك: الجند، الإثبات والإخراج من مكة، الملأ، الحبس، السجن، أولو الأمر .. ، كل هذه المفردات تدل على مفهوم السلطة , وقد استعملت في آيات مكية، ومنها ما هو مباشر يخص أهل مكة , ومنها ما يدل السياق على علمهم بمضمونها ومعانيها (34) .
ونفس الأمر بالنسبة للقضاء فهناك آيات ومصطلحات - أبرزها مفردة الحكم ومشتقاتها- تدل على وجود نمط من السلطة القضائية تحل النزاعات بين الناس، وكانت تستند إلى التقليد والعرف، ويقوم بها الوجهاء، وتتم بالاختيار (35) .
هذا عن المعالم العامة لمكة قبل البعثة، أما الشرائح السكانية التي كانت تقطن في مكة فهناك آية تشير إلى وجود بعض الأجانب إلى جانب العرب (36) ، لكن هناك آيات مكية كثيرة (37) تدل على وجود جالية لا بأس بها من أهل الكتاب يعيشون مع العرب في مكة وأكثرهم من النصارى وفيها بعض اليهود (38) .
أما جذور وتاريخ اليهود في الجزيرة العربية فليس هناك من النصوص التاريخية ما يتحدث عن وجودهم قبل الميلاد , أما بعده فقد ثبتت هجرتهم إلى الحجاز إثر ظهور