علم الجدل وعلم الأصول
بقي معنا الإشارة إلى أن علم الأصول أو علماء الأصول يدخلون أحيانا علم الجدل مع علم الأصول، وهذا واضح في عنوان كتاب الإمام أبي محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة روضة الناظر، فهذا الكتاب الذي هو مقرر على جميع كليات الشريعة، وقل أن تجد طالبا شرعيا إلا وقد مر على هذا الكتاب، المؤلف -رحمه الله -سمى كتابه روضة الناظر وجُنة المُنَاظِر، ما معنى جنة، بمعنى وقاية ودلالة، فهو يعني وقاية ودرع لمن يعني يخوض غمار المناظرة.
ولا شك -أيها الإخوة- أن المناظرة والجدال مشروعة إذا كانت بالتي هي أحسن ففي قوله تعالى: {* وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [1] فالجدال والمناظرة نوعان: نوع مذموم ونوع مشروع، المذموم ما كان لا يقصد به إحقاق الحق، أما المقصود به المكابرة أو المقصود به فقط إظهار العلم مثلا أو شيء من الأغراض الأخرى، لكن إذا قصد به إظهار الحق وقصد به إقامة الحجة فهذا لا شك أنه مشروع في هذه الحالة، فكل واحد منهم ـ يبدي ما لديه من الحجة، وإذا يعني تبين أن حجة هذا أقوى لزم الآخر مثلا أن يتبعه ديانة، ولزم الآخر أيضا يعني أن يلزم مثلا يعني من كانت حجته أقوى مثلا يلزم الطرف الآخر أن يتبعه ويوافقه، ولا يحل له مثلا أنه بعد أن تبين له أن حجة فلان أقوى من حجته لا يحل له في هذه الحال مثلا أن يتمسك برأيه، لكن الجدال المذموم هو الذي لا يقصد به شيء من ذلك.
يقول يحيى من أكثم -قاضي أهل السنة في عهد المأمون- يقول: سألني المأمون ذات مرة قال: لمن تركت بالبصرة من العلماء، فذكرت له علماء أجلاء من ضمنهم سليمان بن حرب -شيخ البخاري- وهو المحدث الجليل، وذكرت للمأمون ما هو عليه من العقل والرزانة والديانة، فقال المأمون: أحب أن أراه، قال فكتبت إليه أن اقدم إلى أمير المؤمنين، قال: فجاء سليمان بن حرب، ودخل على المأمون يقول يحيى بن أكثم، وكان في المجلس أحمد بن أبي دؤاد وثمامة بن أشرس وهما من كبار المعتزلة، يقول يحيى بن أكثم: فكرهت أن يدخل مثله في حضرتهم، فدخل على المأمون وسلم عليه فأكرمه وأجلسه بجانبه، وكان في المجلس هذان الرجلان يقول: فلما انتهى السلام والترحيب قال أحمد بن أبي دؤاد للمأمون: يا أمير المؤمنين، نسأل الشيخ، فنظر المأمون نظرة تخيير له، يعني كأنه يقول: يعني أنت وشأنك يعني ما أحببت، تسأل أم لا؟
(1) - سورة العنكبوت آية: 46.