فهرس الكتاب
الكلمات هي هي، لكن فقط قدَّمنا كلمة على كلمة، هذا من باب التمرين على إدراك دلالات الألفاظ، استعمال أفضل، الشيخ يقول: استعمال أفضل، يعني تقول، كأنك تقول: الحقيقة هي استعمال اللفظ في غير موضوعه، هي استعمال اللفظ فيما وُضِع له أولا، هكذا، يعني تقول: إن الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له أولا، أو نقول: المجاز هو استعمال اللفظ في غير موضوعه على وجه يصح، كذا يا شيخ؟
إذا قلنا بأن الحقيقة هي استعمال اللفظ فيما وُضِعَ له أولا، فهل هذا التعريف تعريف للحقيقة، وللا تعريف لاستعمال الحقيقة؟ ها .. تعريف لاستعمال الحقيقة، استعمال الحقيقة يسمى تحقيقا، كما أن استخدام المجاز، ماذا يسمى؟ يسمى تَجَوُّزا، فإذن لو عرّفنا التجوز نقول: التجوز هو استعمال اللفظ في غير موضوعه على وجه يصح، ولو عرفنا المجاز نقول: المجاز هو اللفظ المستعمل في غير موضوعه على وجه يصح، واضح يا إخوان أو غير واضح؟ فإذا قدمنا كلمة استعمال يكون تعريفا آخر، بمدلول آخر، وإذا أخرناها يكون أيضا تعريف بمدلول آخر، فيختلف مدلول التعريف بالتقديم والتأخير.
أما المجاز -أيها الأخوة- فللعلماء كلام -رحمهم الله- في وجود المجاز، فيه ثلاثة أقوال في المسألة:
القول الأول: أنه لا مجاز لا في اللغة ولا في القرآن، لا مجاز لا في اللغة ولا في القرآن، وهذا هو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشيخ الأمير الشنقيطي -رحمة الله عليه- وكثير من العلماء المحققين.
والقول الثاني: وجود المجاز في اللغة دون القرآن، وجود المجاز في اللغة دون القرآن، وبه قال ابن حامد شيخ الحنابلة في عصره، أبي عبد الله حسن بن حامد شيخ القاضي أبي يعلى، وهو رواية عن الإمام أحمد.
القول الثالث: وجود المجاز في اللغة والقرآن، وهذا مشى عليه أكثر أهل اللغة وأكثر علماء البلاغة والمعاني وأكثر أهل الأصول.
أصحاب القول الأول الذين يقولون بأنه لا مجاز لا في اللغة والقرآن، يقولون: إن المجاز حادث، وإن أصل إنشاء المجاز أو أصل القول به إنما قال به أهل الكلام ليتوصلوا به إلى نفي الصفات، فإذا يعني قيل: إن لله يد فسروها بالقدرة، والرحمة فسروها بالإنعام وغيرها من التفسيرات، وقالوا: إن اليد يعني: القدرة من باب المجاز، {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [1] قالوا: هذه يعني: القدرة، وكل ما ورد من الصفات ثابتة في الكتاب والسنة يؤولونها عن طريق المجاز.
وأيضا من أدلة من يقولون بنفي المجاز، يقولون: إن من شأن المجاز ومن طبيعته ومن خصائصه أنه يصح نفيه، من حقائق المجاز أنه يصح نفيه، فإذا قلت مثلا: فلان أسد، هذا حقيقة وللا مجاز؟ مجاز، يقول للسامع أن يقول: والله فلان ليس بأسد، فالمجاز من شأنه أنه يصح نفيه، فإذا فُتِح يعني أو قيل بالمجاز في القرآن، معناه أنه أصبح في القرآن شيء يصح نفيه، والقرآن منزه عن ذلك.
ثم يقول هؤلاء -أصحاب القول الأول الذين يقولون بالمجاز- يقولون: ما الداعي لكل هذا مع أن هذه كلها -يعني- أسلوب من أساليب العرب، فكل ما أوردتم من الآيات على أنها من باب المجاز هي أسلوب تعرفه العرب، مثل {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [2] قالوا: هذا أسلوب من أساليب العرب؛ لأن القرية تطلق على الأهل وتطلق على المنازل والبيوت، تطلق على القرية نفسها، يعني أرضها ومكانها، وتطلق على الساكنين إطلاقا عربيا صحيحا ليس من باب المجاز.
{جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [3] قالوا: الجدار له -يعني- إرادة تخص بحسبه، نعم يا شيخ ..
من أول يا شيخ، والمجاز ..
الحقيقة الوضعية
والمجاز ما تجوز، أي تعدي به عن موضوعه، هذا على المعنى الأول للحقيقة، وعلى الثاني هو ما استعمل في غير ما اصطلح عليه من المخاطبة، والحقيقة إما لغوية بأن وضعها أهل اللغة.
نعم .. هذه الحقيقة الوضعية بأن وضعها أهل اللغة نعم .. ودائما يقول كلمة أهل اللغة ما يقصد بأهل اللغة علماء اللغة، لا، يقصد بأهل اللغة الأوائل، الذين على القول بأنهم اصطلاحيا اللي اصطلحوا عليه، هذا مقصوده نعم. والحقيقة إما لغوية ..
(1) - سورة المائدة آية: 64.
(2) - سورة يوسف آية: 82.
(3) - سورة الكهف آية: 77.