وظهرت الحروب الصليبية شكلًا من أشكال الحوار دام حوالي مئتي سنة, ثم تبعتها حوارات أخرى, كان الاستشراق شكلًا آخرَ من أشكالها, إبَّان الاستعمار وقبله وبعده, والتنصير كذلك.
كل هذا حدا ببعض المفكرين العرب المعاصرين إلى أن يدعوا إلى قيام علم الاستغراب، فانبرى الدكتور حسني حنفي, ونشر كتابًا ضخمًا, في مجلد واحد سنة 1412هـ/ 1992م, عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بعنوان مقدمة في علم الاستغراب، وجاء الكتاب في تسع مئة وعشر (910) صفحات, ليأتي هذا العلم مواجهًا للتغريب"الذي امتد أثره ليس فقط إلى الحياة الثقافية وتصوراتها للعالم، وهدد استقلالنا الحضاري، بل امتد إلى أساليب الحياة اليومية، ونقاء اللغة، ومظاهر الحياة العامة وفن العمارة". [1]
ونبعت الدعوة إلى وجود مثل هذا العلم من الشعور بأن الساحة العربية الفكرية والثقافية تكاد تخلو من معرفة الغير. وهذا زعم جاء نتيجة للتقصير في تتبُّع النتاج الفكري العربي الإسلامي, الذي لم يخلُ في زمن من أزمان ازدهاره من الحوار الفكري الثقافي مع الغير، لكن هذا لم يُسمَّ علمًا, أو استغرابًا, أو نحو ذلك، ولكنه أخذ طابعَ الردود على الغير, وتبيان الحق في الديانات الثلاث؛ اليهودية والنصرانية والإسلام، بما في ذلك التعرُّض إلى طبيعة عيسى بن مريم ــ عليهما السلام ــ من أنه لم يكن إلا عبدًا من عباد الله, أرسله الله مبشرًا ونذيرًا، فكان ــ عليه السلام ــ مبشِّرًا, اصطفاه الله تعالى بالرسالة, ومعجزات مؤيدات لرسالته ــ عليه السلام ــ.
(1) حسن حنفي. مقدمة في علم الاستغراب. ــ مرجع سابق. ــ ص 18-19.