وقد يقال إن هذا جانبٌ واحد من جوانب الحوار, وهو الاستغراب, مركِّز على البعد الديني، لاسيَّما الجانب العَقَدي منه، وهذا صحيح، إذ إن الاستشراق في منطلقاته الأولى كان على هذه الشاكلة, من التركيز على الأبعاد الدينية للإسلام، معرِّجًا على القرآن الكريم والرسول ــ عليه الصلاة والسلام ــ، والرسالة, والسنة, والصحابة, والفتح الإسلامي.
والجوانب الأخرى للاستغراب, إذا سمح المصطلح, تمثَّلت في نقل الحضارات الأخرى, وفكرها المتماشي مع الإسلام, وعلمها كذلك، عن طريق النقل والترجمة عن اللغات الأخرى، بما في ذلك ترجمة أعمال دواوين الخلافة، عندما تبيَّن أن الإجراءات الإدارية, بما فيها اللغة, قد نقلت من ذوي التجارب السابقة.
وليس النقل والترجمة شكلًا من أشكال الاستغراب الواضح، ولكنها تُسهم, دون شك, في تلقِّي الأفكار, ثم معرفتها, من خلال ما ينقل من نتاج القوم العلمي والأدبي والفني.
وليس الاستغراب, أو غربلوجيا, هو التعامُل مع الغير بالمنطلق نفسه الذي تعاملوا فيه مع المسلمين، ذلك أن منطلقات المسلمين نفسِها تمنع من ذلك، يُقال هذا ردًا على من قال هذا، إذ إننا مطالبون بالعدل مع الغير, حتى أولئك الذين بيننا وبينهم عداوة, شنآن.
ومهما كان التوجه نحو الاستغراب فإن المطلوب دائمًا تجنُّب الإثارة واللجوء إلى الطرح الإعلامي السطحي, في قضايا عميقة جدًا, تحتاج إلى بحث علمي جاد, بعيد تمامًا عن القفز إلى النتائج، ناهيك عن وضع النتائج قبل المقدمات. ذلك أننا مطالبون بالقسط والعدل مع جميع من نتعامل معهم، والعدل أقرب إلى التقوى, قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بما تَعمَلُونَ} [الآية 8 من سورة المائدة] .