وتكمن الخطورة في جدلية العلمانية الغربية, التي تصر على إبعاد الدين, وأنه سبب مباشر في الحد من التقدم والحضارة والنهضة والتنمية والتطور, وغيرها من المصطلحات التي تسعى إلهيا كل الأمم، بل وتدَّعيها بعض الأمم. [1]
وهذا شكل من أشكال التغريب الفكري, الذي يُعَدُّ أخطرَ بكثير من التغريب الظاهري في الملبس والمأكل، وإن كان هذا في النهاية يجُّرُّ إلى ذاك، وأي سلوك يأتي على حساب السلوك الأصيل، ويكون مستعارًا من ثقافة أخرى, ينتج عنه في النهاية تناسي الأصالة, واللجوء إلى الوقوع في السلوك والأفكار.
يقول مالك بن نبي في: شروط النهضة:"لكل حضارة منتجاتها التي تتولد عنها, ولكن لا يمكن صنع حضارة بمجرد تبنِّي منتجات حضارة ما, فشراء ما تنتجه الحضارة الغربية من قبل كافة دول العالم لم يجعلها تكسب حضارة أو قيَمًا, فالحضارة ليست تكديسَ منتجات, بل هي فكرٌ ومُثلٌ وقيمٌ, لا بد من كسبها أو إنتاجها". [2] ويعلِّق نعمان السامرائي على هذا بقوله:"وهذه قضية غائبة عن"المتغرِّبة", فمن يشتري منتجات حضارة أخرى يتحضّر شكلًا لا حقيقة, وهو لا يزيد عن كونه مستهلك حضارة, لا منتج حضارة". [3] وإذا كنا في مسألة التغريب لا نحمِّل الغرب كلَّ اللوم، فإننا نحن نتحمَّل كثيرًا من اللوم, عندما نرى بعض بني قومنا وبعض مؤسَّساتنا تتبنَّى أفكارًا غريبةً في نظرتها للحياة.
(1) ... انظر في مسألة الإسلام والعلمانية الفصل الحادي عشر من: عادل ضاهر. الأسس الفلسفية للعلمانية. ــ ط 2. ــ بيروت: دار الساقي, 1998م. ــ ص 327 ــ 359.
(2) ... مالك بن نبي. شروط النهضة. ــ دمشق: دار الفكر, 1979م. ــ ص 42.
(3) ... نعمان عبدالرزاق السامرائي. نحن والصديق اللدود: دراسة تحليلية للفكر الغربي وموقفه من الإسلام. ــ مرجع سابق. ــ ص 98 ــ 99.