فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 143 من 213

وقد يعني هذا أن المسلمين أنفسَهم لم يوفَّقوا في تقديم الإسلام تقديمًا حضاريًا, لا يتنافى مع معطيات الحضارة. ألا ترون أن لدينا بعضًا من المجتهدين الذين يتوقفون عند كل منجز حضاري، وربما رفضوه في البداية، ثم عادوا فقبلوه، وألا ترون أننا نشهد وقفاتٍ طويلةً حول بعض الممارسات الحضارية, التي لم نعهدها من قبل، ونختلف عندها, من مبيح لها ومن محرِّم, لما يترتب عليها من مفاسد؟ مع أن الأصل عندنا في الأشياء الإباحة.

ولعل هذا المنحى, وأمثلةً كثيرةً, سببٌ من أسباب عزوف بعض أبنائنا, ثم مؤسساتنا عن الأصالة والتأصيل، والجنوح إلى الغرب في النظر إلى معطيات الحضارة, وبالتالي الوقوع في شرك التغريب، الذي يمتدُّ من المرء نفسه إلى المجتمع, من خلال وقوف هذا الشخص أو ذاك في وجه التأصيل، والنظر إلى أصحابه على أنهم متخلِّفون، حتى أضحى مصطلح الرجعيَّة من تلك المصطلحات التي يقصد بها الرجوع إلى الأصالة والتأصيل، ولكن من منظور سلبي يطلب الحذر منه وتجاوزه. [1]

وحملات التغريب ليست عفوية، بل هي مقصودة، وهناك شواهد من أقوال وممارسات تؤيد رغبة الغرب في تغريب العالم، هذا لأن الثقافة الغربية ليست بالضرورة مقبولة لدى أصحاب الثقافات الأخرى؛ [2] لأنها تتصادم مع الأعراق والأعراف والتقاليد والعادات والمكتسبات الثقافية الأخرى، بِغَضِّ النظر عن مصدر هذه الثقافات.

(1) ... محمَّد سليم قلالة. التغريب في الفكر والسياسة والاقتصاد. ــ دمشق: دار الفكر, 1408هـ/1988م. ــ 240 ص

(2) ... أحمد عبدالوهاب. التغريب: طوفان من الغرب. ــ القاهرة: مكتبة التراث الإسلامي, 1411هـ/1990م. ــ 48 ص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت