والذي يظهر, كذلك, أن مصطلح الولاء والبراء لم يتمَّ التركيز عليه بهذه الصورة, وبهذه القوة, على الساحة الإسلامية إلا في الآونة الأخيرة، وإن كان المسلمون يرددون آيات الولاء والبراء, لاسيَّما في سورة التوبة, منذ زمن غير قصير. وهذا أمر يحتاج إلى بحث، إذ إنه لا يُطرح على أنه من المسلّمات. وهناك محاولات لتغييب مثل هذه النصوص.
ولم يقتصر العمل على تغييب النصوص على هذا الجانب، بل إن هناك أصلًا لدى الغير بتغييب النصوص التي تتعلق بزرع دولة يهودية في قلب الأمة، وأصبحنا الآن ندعوها إسرائيل. وهناك رغبة, كذلك, في تغييب النصوص التي تتحدث عن اليهود، والنصوص التي تتحدث عن اليهود لا تتحدث عنهم بإيجابية، ولذا تظهر الدعوة بتغييبها كلها.
والسؤال المطروح هنا يتعلق بمدى جدوى تغييب النصوص, ومدى نجاح التغييب، ما دام له علاقة مباشرة وقوية بأصل الاعتقاد لدى المسلمين، ويؤمن المسلمون جازمين أن الذِّكْر محفوظ, وحفظُه يعني تطبيقه على الواقع. قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الآية 9 من سورة الحجر] .
واللوم لا يقع على الغير الذي يحاول هذه المحاولات في تغييب النصوص، لأنه بذلك يدافع عن وجوده, الذي لا يقوم إلا بتغييب كل النصوص، وإنما ينصبُّ اللوم على أولئك الذين يستجيبون لهذه المحاولات، وينصبُّ على الزمان الذي وصلنا به إلى الاستجابة لها، والمقصود لوم أهل الزمان, الذين وصلوا في حين من الزمان إلى أن يكونوا أداةً تُغيَّب بها النصوص. وهو زمان لن يدوم طويلًا، ولكنها مرحلة من المراحل التي تمر بها الأمة، وقد مرت بها من قبل. وهي الآن تحاول الخروج منها, مع ما يتطلبه الخروج من تمحيص، يقتضي هذا الوضع الذي نحن فيه, على مختلف الصُعُد.