وقد بدا ذلك في لقاء الحوار الأخير في الإسكندرية شيئًا من هذا, من الطرفين أو من الأطراف المتحاورة، ومن خلال المتابعة الإعلامية لهذا الحوار, يظهر أنه قد تجسَّدت مفهومات الدونيَّة والفوقيَّة، وإن لُمس الاعتذار من الطرف الآخر, في مسألة البوسنة والهرسك، الأمر الذي أدَّى بالجانب المسلم إلى الاعتذار عن الصرب أنفسهم, وأنهم لا يمثِّلون النصرانية, التي تسود اليوم. وليت هذا الاعتذار قد جاء من جانب آخر, لكان الأمر أسهل، ولدخل في منطلق التبريرية/التسويغية التي تهيمن على حوارات اليوم.
إننا لا نزال نحتاج إلى الوقت, غير المُحَدِّد, الذي نقوِّي فيه انتماءنا لهذا الدين, فنفهمه فهمًا يؤهِّلنا إلى تقديمه إلى الغير, بالقوَّة المطلوبة, التي لا تعني بالضرورة العنف, كما قد يُفهم منها. وهذا أمر متحقِّق, والمسألة مسألة وقت، ومزيد من الوعي.
المُحَدِّد السابع عشر: الحوار (3)
وهناك جملةً من الكُتَّاب والكاتباتِ يتحفظون على فكرة الحوار مع الغير, ممن يختلفون عنا في الدِّين, بل إن أحدَ المؤلفين قد وصل به الرأي إلى تحريم التعامل مع فئة أولئك الناس, من المستشرقين.
ويَرى المؤلّف أن التعاون معهم إنما هو من باب الموالاة لهم. ويورد نصوصًا شرعية تؤيد ما ذهب إليه في رأيه. ويظهر هذا, على سبيل المثال, في الطبعة الثانية من كتاب رؤية إسلامية للاستشراق للأستاذ الدكتور أحمد عبدالحميد غراب. [1]
وهل الحوار مع الغير يعني بالضرورة التعاون معه، وهل التعاون معه يعني بالضرورة موالاته. وأظن أن مسألة الولاء والبراء في هذا الرأي غير واضحة، وأظن, كذلك, أن على أهل العلم أن يركِّزوا على مسألة الولاء والبراء, من حيث حدودهما ومدلولاتهما, بله مفهومهما.
(1) ... أحمد عبدالحميد غراب. رؤية إسلامية للاستشراق. ــ ط 2. ــ لندن: المنتدى الإسلامي, 1411هـ.