والحوار الذي يتحفظ عليه بعض الناس من الرجال والنساء هو ذلكم الحوار الذي يشعر فيه المحاور المسلم بالدونية, أمام الآخرين, الذين يُشعرون من يحاورونهم بأنهم, أي المحاوَرين, على قدر كبير من العلم والمعرفة والتفوق الحضاري.
وهذا ما يثيره الأستاذ الدكتور حسن بن فهد الهويمل, في حديثه عن الاستشراق في مجلة المنهل في عدد يعود إلى سنة 1409هـ, حينما يركِّز على مشكلة عدم التكافؤ بين المتحاورين, بسبب شعور طرف منهما بالفوقية على الطرف الآخر, دون شعور الطرف الآخر, بالضرورة بالدونية تجاه المحاوَر. [1]
والخطأ هنا ليس في الحوار ذاته، بل هو في المحاوَِرين, بفتح الواو وكسرها. والمحاوِر المسلم مطالب بعدم الهوان: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الآية 139 من سورة آل عمران] , والعلو هنا مربوط بالإيمان, لا العلو المربوط بالغطرسة والعرقية والجنس البشري، بل العالي هنا هو المؤمن أين يكون, وكيف يكون, ومتى يكون. وإذا تحقق الإيمان لدى الشخص تحقق لديه العلو, الذي يفرض نفسَه على الآخرين.
وإمام المحاورين بعلوِّ الأديان هو سيدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - حينما وفدت عليه الوفود, فحاورهم داخل المسجد، وكان بينهم أخذ ورد، وسؤال وجواب وحجاج، انتهى في الأخير إلى أن يعلن يعض المحاورين إسلامهم, مع بقاء بعض منهم على عنادهم، كما مرَّ ذكره,ويبقى أناس على عنادهم ومكابرتهم وتعاليهم على مرِّ العصور.
ثم إن وفودَ سيدنا محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم جميعًا, قد حاورت الغير من عظماء الأمم في ذلك الوقت, وفي عقر دارهم, دون أن يشعر الموفَد بذرَّة من الدونية أمام جبابرة الأرض.
(1) ... حسن بن فهد الهويمل."الفوقية الحضارية". ــ المنهل ع 471 (مج 50) , (رمضان وشوال 1409هـ ــ أبريل ومايو 1989م. ص 277 ــ 292.