ورغم ما قد يقال إنها ليست خصوصية يتفرد بها المجتمع, بقدر ما هي قاسم مشترك لجميع من يحملون هَمَّ هذه الخصوصية، وهذا صحيح, إلا أن المجتمع العربي يمثل هذه الخصوصية في هذا الزمن أصدق تمثيل, إذا ما قورن بالمجتمعات الأخرى، وهذا سرٌّ من أسرارِ تأثير هذا المجتمع الصغير على المجتمع الكبير جدًا.
وهناك تخوُّف من تأثُّر المجتمع العربي بالمجتمعات الأخرى، لاسيَّما تلك التي تسلمت زمام الحضارة والنهضة وسارت به, أي الزمام, إلى درجات متقدمة جدًا من العلم والنماء, جعلته يخرج من محيط الأرض. والتخوُّف يأتي من الخشية من أن يكون التأثُّر على حساب المبادئ التي يؤكَّد عليها فعلًا وقولًا، وتبنِّي ثقافة بديلة تهتم بالدنيا على حساب الآخرة. [1]
وحيث إن هذا المجتمع يرغب في النهوض، مثله في ذلك مثل غيره من المجتمعات، وحيث توافرت مقومات النهوض المادية والبشرية، أراد أن ينهل من علم المادة, فلم يكن أمامه إلا أن يطرق المدن الجامعية المتقدمة علمًا وبحثًا. فذهبت مجموعة كبيرة من أبناء المجتمع إلى معقل الحضارة والعلم, في أوروبا وأمريكا وروسيا, ونالت من هناك المؤهلات العلمية العالمية في شتى فنون المعرفة، حتى بعض فروع العلوم الإنسانية أخذت من هناك. وهنا يبدأ التأثُّر والتأثير، إلا أن الوفود الأولى في معظمها اكتفت بالتأثُّر أكثر من التأثير, الذي لم يتضح بصورة تدعو إلى الفخر إلا في السبعينات الهجرية, الخمسينات الميلادية, عندما كثرت الوفود, وبدأت بوادر الثقة بالذات وبالمبادئ تبرز بصورة أكثر وضوحًا. وقد سبق الحديث عن هذا الجانب في المُحَدِّد ذي العلاقة بالبعثات.
(1) شاريل بينارد. الإسلام الديموقراطي المدني: الشركاء والمصادر والإستراتيجات. ــ واشنطون: مكتب راند للاتصالات الخارجية, 2002م. ــ 100 ص.