و قد ذهبت الدفعات الأولى, وفي مخيلتها أنها ذاهبة لمجتمعات مثالية في التعامل مع الحياة, من حيث احترامُها للنظام, وبعدُها عن كل ما من شأنه أن يسيء إلى مجتمع متحضِّر, من الجوانب السياسية والاجتماعية والعلاقات الإنسانية. فأصبحت هذه الدفعات الأولى ترى مِن أي تصرُّف في هذه المجتمعات الناهضة مثالًا ينبغي أن يحتذى, ويطبَّق في المجتمعات الأخرى, رغم الاختلاف في البيئة, وفي الخلفية وفي المنطلق وفي الثقافة وطريقة التفكير.
والمثال يقتضي أن يقاس عليه كل تصرف أو سلوك, فما طابقه فهو الصحيح، وما خالفه فإنه خطأ, ينبغي التخلص منه. ولذا تجد أن البعض منا ممن عاش في الغرب دائمًا يضرب لك الأمثال بأن القوم هناك يفعلون هذا ولا يفعلون ذاك، وبأن النظام (القانون) , والنظام العام, هناك يسمح بكذا ولا يسمح بكذا.
وإذا ما برز تصرف هنا ذهب الخاطر إلى هناك, فإن وجد له هناك مثل قُبِلَ, وإن لم يكن له هناك مثَل اعتبر خطوة إلى الوراء، ذلك أن القوم هناك لم يوجد لديهم ما يقرب من التصرف الخاضع للقياس.
وسواء صرَّح بعض العائدين بهذا أم لم يصرحوا به, فهو في الغالب في الذهن. ومسألة التأثر واردة على أي حال، لأن أي مجتمع لا يملك أن يعزل نفسه عن المجتمعات الأخرى، ولا يمكن أن يَعُدَّ نفسه مؤثِّرًا غيرَ متأثِّر, مهما زعم هذا المجتمع أنه يملك كل شيء. وعليه فإنه لا حجة لمن يرفض التأثر بالمجتمع الآخر, بحجة أنه يخالف مجتمعنا في المبادئ والخلفيات والمنطلقات والثقافة وطريقة التفكير.
ولعل هذه الفئة الرافضة للتأثُّر جاءت مصاحبة للفئة, التي أرادت الانغماس في الآخر، أي التأثُّر المطلق في المثال القدوة، الذي لا يزال يردد أنهم هناك يعملون هذا ولا يعملون ذاك، فإذا عملوه فلا شيء فيه، وإذا لم يعملوه ففيه شيء، وقبل أن يصدر الحكم على تصرف أو سلوك يقاس بما يعملونه؛ ليكون فيه شيء, أو لا شيء فيه!
ومن هنا برزت إزاء هذا الموقف مواقف ثلاثة: