ومع هذا كله فإن هذه الوقفة ركَّزت على التبعيض, وتعمّدت الابتعاد عن التعميم, فلم يكن جميع المستشرقين على هذه الشاكلة، بل إن منهم من نأى بنفسه عن الاستعمار. كما نأى غيرُهم بأنفسهم عن الولوج في غيابات التنصير، واكتفت هده الثُّلة من المستشرقين بالبحث والدراسة والإنتاج العلمي, من نشر ودراسة وتحقيق وفهرسة وتكشيف, وغيرها من الأنشطة العلمية. ومن العدل إثبات ذلك والوقوف عنده. كما أنه من العدل أيضًا إبراز جهود المنصرين في مؤازرة الاستعمار.
المُحَدِّد السابع: الاستعمار (2)
وكما قامت علاقة وطيدة بين الاستعمار والاستشراق, قامت علاقة أيضًا بين الاستعمار والتنصير، حتى عَدَّ الباحثون كثيرًا من المنصرين على أنهم مستعمرون.
ودعا التنصيرُ الاستعمارَ إلى البلاد العربية والإسلامية, ليسهِّل له الحملات التنصيرية, التي كانت تواجه رفضًا رسميًا من بعض حُكَّام البلاد العربية والإسلامية آنذاك، فكان من الأنسب للمنصرين أن ينضوي هؤلاء الحُكَّامُ تحت الحماية الغربية؛ ليخلو الجو لأرباب الحملات التنصيرية للتوغل في المجتمع المسلم, باسم المسيح عيسى بن مريم ــ عليهما السلام ــ, أو باسم العِلْم أو الطب أو الإغاثة أو التدريب أو التنمية, أو غيرها من الوسائل الخفية للتنصير. [1] هذا من وجه.
(1) ... علي بن إبراهيم الحمد النملة. التنصير: مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته. ــ مرجع سابق. ــ 167 ص.