وفي الوجه الثاني استخدم المستعمرون المنصرين ممهدين لهم, للولوج في الفكر العربي الإسلامي للناس البسطاء في عمومهم آنذاك، عندما أوهم المنصرون المسلمين أن الاستعمار إنما يقصد رفع مستوى المسلمين المعيشي، والارتقاء بهم إلى مستوى حضاري, بعيد قطعًا عن الانتماء الديني للإسلام, بل إن هذا الاستعمار, كما يصوره المنصرون, إنما جاء بسبب بَرَكة المسيح عيسى بن مريم ــ عليهما السلام ــ ودعوته المستمرة للمنصرين أن ينقذوا الناس في المشرق, ويخلصوهم من الظلام والضلال الذي هم فيه.
ومن وجه ثالث ربما استُخدِم المنصرون من المستعمرين, دون أن يدرك المنصرون هذا الاستخدام ومغزاه، ذلك أن مِن المنصرين مَن كان بعيدًا عن السياسة، ومنهم كذلك مَن أخذ التنصير بجدية لا تحمل خلفها أي مغزى آخر, سوى زعمهم بأنهم إنما يلبُّون تعاليمَ النصرانية, في نقل الناس من الضلالة إلى الهدى.
وكان هذا هو مبلغ علمهم, لاسيَّما أن هذه الفئة لم تكن لتتعرف على الإسلام على أنه دين سماوي، وإنما تعرفت عليه, بإيحاء من الاستشراق, على أنه تعاليم محمَّدية جاء بها ذلك الرجل في مكة, وألَّف كتابًا لقومه سماه القرآن, جمع فيه من تعاليم اليهودية والنصرانية والفارسية والهندية والرومانية واليونانية!
ولذا نجد أن بعض فرسان هذه الفئة من المنصرين يتخلون عن التنصير, عندما يتبين لهم خلاف ذلك, ويعتنقون الإسلام, ويصبحون دعاة له بين أبناء جلدتهم! وهذه الفئة التي أسلمت شكّلت تهديدًا واضحًا وقويًا, لا للحملات التنصيرية فحسب، بل للحملات الاستعمارية كذلك، إلا أنهم, إعلاميًا, لم يظهروا على الساحتين التنصيرية والاستعمارية، وهذا أمر واضح ومعلوم بالضرورة والممارسة الإعلامية, التي لا تُظهر إلا ما تريد هي إظهارَه.