وحيث لم تنجح هذه الصورة أيضًا, بالشكل الذي يوازي الجهود البشرية والمالية المبذولة، عَمِد التنصير إلى اتباع الصور الأخرى, التي اتفق على تسميتها بالوسائل الخفيَّة للتنصير, التي تظهر شيئًا غيرَ التنصير، فجاء التنصير مع العاملين النصارى في المجتمعات المسلمة، سواء أكان هؤلاء العاملون مهنيين فنيين خبراء، أم كانوا عمالًا غير مؤهلين مهنيًا.
وتبع هذا وجودُ مؤسسات تُظهر أنها تقومُ بمهماتٍ رسميَّةٍ, وأعمالًا خدميَّةٍ مدنيَّةٍ, ولكنها تخدم التنصير مباشرة, كبعض البعثات الدبلوماسية والملحقيات الثقافية والتجارية والإعلامية والشركات وغيرها.
ومن المهم التوكيد على أن هذا الاتهام لا ينسحب على الجميع، ولكن التنصير ظهر في بعض هذه المؤسسات.
ومع هذا كله، ومع هذه الجهود كلِّها, فشل التنصير في تحقيق هدفه الظاهر والقريب، وهو أول ما يتبادر إلى الذهن من الكلمة نفسها, مصطلح التنصير, الذي يوحي بإدخال غير النصارى في النصرانية، فقد تنازل التنصير عن هذا الهدف مرحليًا، لاسيَّما في المجتمعات المسلمة، وأضحت مهمةُ التنصير, لاسيَّما في المجتمع المسلم، العملَ على إخراج المسلمين من الإسلام.
ولم يتحقق هذا الهدف, أو هذه المهمة, بالسهولة المتوخاة، إذ إن الإسلام يقوم على عقيدة التوحيد, التي تتماشى مع فطرة الإنسان. هذا بالإضافة إلى أن الإسلام بقى نقيًّا محفوظًا من كل محاولات التغلغل فيه لتقويض دعائمه، ذلك أن الله تعالى قد تكفَّل بحفظه, مادام على هذه الدنيا نفسٌ تتعطش للأمان الروحي, وتسعى إلى توطيد العلاقة، علاقة المخلوق مع الخالق. قال الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وِإِنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ} [الآية 9 من سورة الحجر] .