فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 256

... إن عنترة بن شداد يعبر عن حالة الرفض والتمرد بصيغ مختلفة وأشكال متنوعة وقد يدل الاستفهام الاستنكاري الذي بدأ به معلقته على واحدة من أشكال الرفض والتمرد فقوله:

هَلْ غادرَ الشعراءُ من مُتَرَدَّمِ

أم هلْ عرفتَ الدارَ بَعْدَ توهُمِِ (1)

يؤكد معرفته لسؤال يطرحه أمام المتلقي، ويؤكد في الوقت نفسه أنَّ الشعراء السابقين لم يتركوا شيئا لم يطرقوه، ولعلنا ندرك أنَّ الإجابة عن سؤال يتضمن السلب أو الإيجاب وهو يشتمل على دلالات مختلفة .

... إن عنترة بن شداد كأنه يضيق ذرعًا من تقيد الشعراء بهذا التقليد الذي درجوا عليه، وكأنَّ تكرار هذا الاستفهام في صدر البيت وعجزه ما يؤكد ذلك لأنه ـ على ما يبدو ـ أصبح عقبة أمام الشاعر، ويهيمن على البيت الشعري التساؤل المقترن بالوهم .

... إن الوقفة الطللية عند عنترة بن شداد كثرت فيها التساؤلات المحيرة، مما يعني أنه يحس بقدر من القلق الوجودي، هو نتيجة لعوامل عديدة، منها اندثار بقايا الدار والوحدة الموحشة واختفاء الحبيبة، وهذا له ما يبرره عند الشاعر الجاهلي بعامة، فعلى الرغم من أنَّ الطلل يعبر عن موقف الشاعر من الزمن وأثره في الطبيعة والإنسان لأنه يقود الحياة إلى التلاشي والموت فإنَّ الحياة تتبدى من التلاشي والموت من خلال استرجاع الماضي، وذلك كأنه يعيد الزمن بالحكاية ويعيد الحياة والحب يقول عنترة:

دار لآنسةٍ غَضَيضٍ طَرْفُها

طَوعِ العِناقِ لَذيذةِ المُتَبَسمِ

ومن الجدير بالذكر أنَّ الشاعر يكثر من النكرات ،» دار، آنسة، غضيض « كما أنه عرض لجملة من الصفات تنحدر من حقل دلالي واحد هو الجمال الحسي:

... الطرف = غضيض » حسي بصري «

... العناق = طيعة » حسي لمسي «

... التبسم = لذيذ » حسي ذوقي «

(1) ـ المتردم: الموضع الذي يُسترقع ويستصلح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت