فهرس الكتاب
... إنَّ عنترة بن شداد لم يخرج عن إطار القبيلة ولم يتمرد على كيانها، فقد بقي يناضل من أجل الحصول على حريته وكان عنترة يعلم أنَّ الحرية التي يطلبها لا تمنح، وإنما تؤخذ بالكفاح واثبات الذات وأفعالها، إنَّ فروسية عنترة ليست » إلا نوعًا من الثأر لنفسه المحدودة في نهاية المطاف، من هذه الطبيعة حوله من فضائها الهائل وفراغها المهيب، بل إنَّ ذلك هو ما يدفعه إلى التهور والاستهانة بشخصه والتطوح في هوة المغامرة لتصير حياته على مثال الصحراء مطلقة ونسبية، بسيطة ومعقدة، ثابتة وتنهار كالرمل « (1) ، وعلى الرغم من اعتراف أبيه بنسبه إليه، فهو في نظر أعدائه وقومه عبدًا، وأكثر من هذا أنَّ ابنة عمه التي يحبها تضعه في الإطار ذاته من حيث كونه اسود اللون عبدًا . ولذلك لاحظنا أنَّ ما يثير عنترة أنْ تشيح عنه بوجهها، وكأنها تنكأ جرحًا دفينًا في نفسه، ولذلك كان
إرخاء عبلة قناعها على وجهها يمثل مثيرًا دفع عنترة إلى الإسهاب في التعبير عن معاناته بطرف خفي، مضفيًا على نفسه تلك الخصائص والخصال الحميدة، ويتحسس أنَّ ظلمًا كبيرًا يقع عليه بسبب هذا الجفاء، يقول عنترة:
إنْ تُغدفي دوني القِناعَ فإنني
طَبٌ بأخذِ الفارسِ المستلئمِ (2)
أثني عليَّ بما عَلِمتِ فإنني
سَمحٌ مُخالَقَتي إذا لم أُظلمِ
وإذا ظلمتُ فإنَّ ظُلميَ باسِلٌ
مُرٌ مَذاقتُهُ كطعمِ العَلقَمِ (3)
ولقدْ شربتُ من المُدامةِ بعدما
رَكَدَ الهواجرُ بالمشوفِ المُعْلَمِ (4)
بزُجاجةٍ صفراءَ ذاتِ أسرةٍ
قُرنتْ بأزهرَ في الشَّمالِ مُفَدَّمِ (5)
فإذا شَرِبتُ فإنني مُستهلِكٌ
مالي، وعِرضي وافرٌ لم يُكلَّمِ
(1) ـ ... نفسه، ص 18 ـ 19 .
(2) ـ الاغداف: الارخاء، طب: حاذق، استلأم: لبس لامة الحرب وهي الدرع .
(3) ـ باسل: كريه، والباسل: الشجاع .
(4) ـ ركد: سكن، الهواجر: أكثر الأوقات حرا، المشوف: المجلي، المدام: الخمرة .
(5) ـ أزهر: ابريق أزهر، مفدم: مشدود الرأس بالفدام .