فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 256

... ويتبدى استعداد الشاعر بالفعل » أعددت « في حين يتبدى الاستعداد المعنوي بالفعل » علمت «، وبين الإعداد والعلم يتجلى استعداد الشاعر المادي والنفسي لما سيأتي، ومن الطريف أنَّ هذا المقطع من القصيدة يبدأ بالفعل » أعددت «:

أَعْدَدتُ للحَدَثَانِ سَابِغَةً وَعَدَّاءً عَلَنْدَى

وينتهي بالفعل » استعد «:

كُلُّ امرئ يَجْري إلي يومِ الهياجِ بما اسْتَعَدَّا

... ويمر الصراع بمرحلتين، مرحلة غزو الأعداء قبيلة الشاعر، ومرحلة منازلة الشاعر خصومه الذين استعد للقائهم، وفي المرحلة الأولى: يعرض الشاعر لمدى الرعب الذي دخل قلوب نساء القبيلة اللائى هربن، وكان من بينهن » لميس « الفتاة التي أفرد الشاعر الحديث عن محاسنها بيتين من الشعر . إنَّ فرار نساء القبيلة ليس بداية الصراع وإنما هو ذروة الصراع ولذلك كان لا بدَّ للشاعر من المنازلة، ولا بدَّ لبطل القبيلة وفارسها أنْ ينازل بطل القبيلة الغازية، كبش أمام كبش .

... ولم يعرض لنا الشاعر شيئًا عما حدث في المعركة، تمامًا كما أنه لم يعرض ما الذي حصل لنساء القبيلة، ومن بينهن لميس، وإنما ترك ذلك لمخيلة المتلقي ليستكمل الصورة .ولكنه يشير إلى انتصاره في المعركة، وهزيمة بفاجعة الموت، إذ يشير إلى مصرع أخ له وتجلده وثباته بعد مصرعه، وفي أثناء دفنه . إنَّ الفروسية العربية تدرك ـ كما يقول أدونيس ـ » أن لها حدا هو الغياب أخيرا . فهي إذن تتردد بين حضور الوجود وحضور الغياب، تتضمن حس الفجيعة . لذلك ليس القتال عندها لعبًا كيفيًا، بل هو حاجة يفرضها قدر الحياة للتسلح ضد الموت، يدرك الفارس أنه سائر إلى الموت

وان الحرب تعجل هذا المسير، غير أنه، في الوقت ذاته، موقن أنَّ الحرب لا تقدر مع

أنها مليئة بالموت أن تغلق في وجهه أفق المستقبل وأبواب الحياة إنه يتحرك ويحيا بالحرب وفيما وراءها « (1)

(1) ـ ... أدونيس، مقدمة للشعر العربي، ص 17 ـ 18 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت