فهرس الكتاب
» تعتزل المجتمع مدة طويلة تصل إلى العام أحيانًا، لأنَّ زوجها الميت يلاحقها بمراقبته حتى يطمئن إلى وفائها، وقد يلحق بها أشد الأذى إذا أخلت بهذا الواجب، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنَّ ملامستها لميت تلصق بها نوعا من » التابو « يفرض على المجتمع تجنبها حتى تتخلص منه بمضي المدة، لذلك فهي تقيم في كوخ خاص حتى يمضي الزمن المعين للحداد، وبعده تبدأ طقوس الطهر، فتؤتى بدابة كما يقول النويري شاة أو حمار أو طائر لتتمسح، وقلما تتمسح بشيء إلا مات، وهذا يفسر تجنب المجتمع لها حتى تتخلص من شحنة » المانا« الضارة التي علقت بها نتيجة علاقتها بالمتوفى، وفي النهاية ترمي بعرة وراء ظهرها، إعلانًا بأنها قطعت كل صلة لها بحياتها القديمة وعادت تصلح لممارسة دورها في الحياة الاجتماعية بكل أبعادها « (1) .
... ويعني الرثاء بكاء الميت وندبه وذكر صفاته وخصاله، وكان الرثاء » يلبي حاجات اجتماعية، بوصفه نوعًا من تخليد الميت، والإشادة به والثناء عليه ،إلي جانب كونه فنًا يعكس رؤية الشاعر « (2) ولم يضع قدامة بن جعفر فرقًا بين المدح والرثاء الا بما يشعر المتلقي بإنَّ المتوفى كانت تلك أفعاله يقول: » ليس بين المرثية و المدحة فصل إلا أن يذكر في اللفظ ما يدل على أنه لهالك مثل: كان، وتولى، وقضى نحبه، وما أشبه ذلك وهذا ليس يزيد في المعنى ولا ينقص منه، لأنَّ تأبين الميت إنما هو بمثل ما كان يمدح في حياته « (3) .
ويتحدد الرثاء في ثلاثة أبعاد هي:
(1) ـ علي البطل، الصورة في الشعر العربي، ص 215 .
(2) ـ ... حسني عبد الجليل، الإنسان والزمان في الشعر الجاهلي، ص 77 .
(3) ـ قدامة بن جعفر، نقد الشعر، ص 118 .