فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 256

... أما دلالة العبث الفلسفية فإنها لا تكاد تبتعد كثيرا عن الدلالة اللغوية، إذ يصدر عبث الإنسان حين يحس بعجز فعله الإنساني، وتتأتى فلسفة العبث من خلال صراع الإنسان مع أنماط القسر التي تحيط الإنسان وتكتنفه، إذ يعيش الإنسان قدْرًا من التمزق إزاء واقعه (1) .

... إن مفهوم العبث أخذ بالتطور والتبلور مع الوجوديين قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، وكان الفيلسوف الدنماركي كيركغارد يؤكد « أنَّ المسيحية هي عبث لأنه ليس من إنسان يستطيع أنْ يدَّعي تبرير مبادئها عقلانيًا » (2) ، فالإنسان عند الوجوديين ثائر ضد كل ما يعارض حريته، ويتبدى العبث بوصفه نتيجة لهذا التعارض، أو عن « عدم مقدرة العقل على تفسير الوجود » (3) ، كما أنَّ الحياة هي الأخرى تخلو من أي معنى، وليس بالإمكان تفسيرها أو إخضاعها للمبادئ العقلية والقوانين المنطقية، إنَّ الإنسان يحاول تجاوز ذاته وتجاوز الآخرين في آن، ويشتمل ذلك على تمرد ورفض لكل مألوف، لأنَّ المألوف لا تحكمه أسس وقوانين مبررة عقليا، ومن ثم فإنَّ « الإنسان الذي يعيش في مجتمع قمعي يشعر أنه ميت قبل موته الطبيعي، فإذا تمرد أو ثار لا يشعر أنه يفقد شيئا، بل على العكس يشعر أن يتحرك ويحيا - ولذلك يشعر أنه يربح الحياة نفسها حتى حين يموت.

... طبيعي أن يتجاوز الإنسان الذي يعيش هذه التجربة، أحكام المنطق العادي ويدخل في عالم يرفض الأحكام التي تكبحه، سواء كانت اجتماعية أو دينية . ويكون جموحه قويا بقدر ما يكون الكبح قويا . ففي عالم يغلق الأبواب كلها في وجه الحرية يكون الجموح بالضرورة فوضى، فالفوضى في مثل هذا العالم هي وحدها التي تفتح أبواب الحياة . وهكذا يكون المجون تعويضا عن غياب الحياة. بل يصبح هو نفسه الحياة » (4) .

(1) ـ ينظر: معن زيادة، الموسوعة الفلسفية، ص 579 .

(2) ـ نفسه .

(3) ـ نفسه .

(4) ـ ... أدونيس، الثابت والمتحول، 2 / 114 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت