فهرس الكتاب
... ويمكننا القول بمفهوم عام « للعبث » ، لأنَّ دلالته وبعض مكوناته قديمة، ترجع إلى أعماق التاريخ لدى الفلاسفة والأدباء « ففي الفكر القديم تكلم الأبيقوريون عن الآلهة التي تدير ظهرها للناس، إذ إنَّ أمامها أعمالًا أهم من الاهتمام بالبشر والعناية بمصيرهم أما الشعراء فلقد عبر العديد منهم عن تجربة العبث، تجربة اللامعنى الكامل للحياة، فشكسبير مثلا يقول في مسرحية « مكبث » الحياة قصة يرويها معتوه، مليئة بالضجيج والغضب وتخلو من كل معنى » (1) .
... إن هناك تصورًا عامًا يكتنف مفهوم العبث ويحدد أبعاده ويتجلى بخلو « الحياة من أي معنى، وعدم خضوع الوجود لقوانين عقلية ولقوانين ثابتة بين طموحات الإنسان وواقع الحياة ليس هناك أي انسجام » (2) ، إنَّ هذا التصور يتجلى ـ كما أشرنا ـ عند الأبيقوريين، والوجودييين مثل كيركيغارد وسارتر، وكما تبلور عند البير كامو الذي وصل مفهوم العبث لديه إلى درجة من النضج، بحيث أخذ يدل على البطلان المنطقي لأي فكرة كانت (3) .إن العبث ليس فكرة ذهنية مستقلة عن الوجود الإنساني وأفعاله، ولكنه جزء من ممارسته في الحياة، لأنها تهدف فيما تهدف إليه تجاوز الذات إلى حد إنكارها بالانتحار كما يؤكد ذلك البيركامو في قوله « فإذا كنا لا نؤمن بشيء، وإذا لم يكن هناك معنى لأي شيء، وإذا كنا لا نستطيع تأكيد أية قيمة أصبح كل شيء ممكنًا ولا أهمية لأي شيء » (4) .
... ومن يتتبع حياة امرئ القيس وشعره يجد أنه يصدر عن « أنا » متضخمة تكتنفها الحرية من ناحية، والتمرد من ناحية ثانية، وتحقيق اللذة من ناحية ثالثة، وكأَنَّ
(1) ـ معن زيادة، الموسوعة الفلسفية، ص 579 .
(2) ـ نفسه .
(3) ـ ... ينظر: يوسف الصديق، المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة، ص 28 .
(4) ـ ... البير كامو، الانسان المتمرد، ص 10 .