فهرس الكتاب
... ومن الجدير بالذكر استكمالًا للتصور أن نعقد مقارنة مع شاعرجاهلي آخر ـ طرفة بن العبد ـ لم يكن العبث لديه مجرد نزعة دفعته إليها « أنا » متضخمة فحسب وإنما دفعه لذلك تأمل لطبيعة الوجود والحياة، ويظهر أنَّ قلق الشاعر إزاء الموت وتأمله إياه قد دفعه إلى موقفه العابث، والفرق بين امرئ القيس وطرفة بن العبد أنَّ كليهما يلتقيان في ضرورة التمتع بلذائذ الحياة، غير أنَّ طرفة بن العبد يفوق امرأ القيس في قلقه وتأمله، ومن ثم يتجاوزه في عرض المعضلات التي تعترض حياته، وليس غريبًا على طرفة بن العبد أنْ يتأمل الموت، وهو في حساسية شاعر، فلقد وُلِدَ طرفة يتيمًا « أي أنه فجع بفاجعة الموت، وهو حدث فساء ظنه بحكمه الحياة والموت، وأن فكرة الموت ولجت إلى ضميره بعقدة العدم والعبث واللاجدوى » (1) ، فقد لاحظ طرفة بن العبد أن قبور الناس تتماثل بعد الموت، فلا فرق بين قبر الكريم وقبر البخيل، مادام الموت نهاية الرحلة، ولما كان الأمر كذلك فلماذا يبخل الإنسان ؟ ولماذا لا يستمتع بلذائذ الحياة ؟ يقول:
أَرَى قَبْرَ نَحَّامٍ بَخِيلٍ بِمالِهِ
كَقَبْرِ غَوِىٍّ في البَطالةِ مُفسِدِ (2)
تَرَى جُثْوَتَينِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيهِمَا
صَفَائحُ صُمٍّ من صَفيحٍ مُنضَّدِ (3)
أَرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرَامَ وَيَصطَفى
عَقِيلَةَ مَالِ الفَاحِشِ المُتَشَدِّدِ (4)
أَرى العَيْشَ كَنزًا نَاقِصًَا كُلَّ لَيلَةٍ
وَمَا تَنقُصُ الأَيَامُ والدّهرُ يَنْفَدِ
لَعَمْرُكَ ! إنَّ المَوْتَ مَا أَخطَأَ الفَتَي
(1) ـ إيليا الحاوي، في النقد والأدب، ص 237 .
(2) ـ النحام: البخيل، الغوي: الذي يتبع هواه ولذاته، البطالة: اتباع الهوى والجهل .
(3) ـ الجثوة: الكومة من التراب، الصم: الصلبة .
(4) ـ يعتام: يختار، العقيلة: أراد كريمة المال، الفاحش: أراد البخيل، المتشدد: الكثير البخل .