فهرس الكتاب
... إن الإحساس بالزمن يمثل بعدًا ذاتيًا فرديًا لدى الإنسان، غير أنَّ الشاعر يختلف في الدرجة أحيانًا، وفي النوع أحيانًا أخرى، عن غيره من الناس في تحسسه للزمن، وإذا كان الزمن عند الإنسان العادي يمثل حركة ينتقل فيها من ماضٍ إلى حاضر، فإن الشاعر يتجاوز هذه الحركة الأفقية إلى دلالة ذاتية متشابكة، أي العمل على إحداث الفعل في الزمان وموقفه إزاءه، وهذا يعني أنَّ الزمن يتحول إلى بعد ذاتي يعيد الشاعر صنعه أو خلقه من جديد .
ولسنا في سياق الحديث عن تجليات « الزمن » في إطار دلالته النحوية التي يدل عليها «الفعل» لأنَّ صيغة الفعل الماضي لا تعني دائمًا أنَّ الحدث قد تم في الماضي، كما أنَّ استخدام الفعل المضارع لا يعني أنَّ الحدث قد تم في الحاضر، أو أنه سيحدث في المستقبل .إنَّ حديثنا عن الزمن، إنما هو حديث عن مدى إحساس الشاعر به، وتحوله من بعد خارجي إلى بعد ذاتي داخل الإنسان .
... وأول ما يبده المتلقي بإحساس الشاعر العربي ـ الجاهلي بالزمن هو وقوفه على الأطلال، إذ يمثل الطلل مثيرًا حاضرًا معبرًا عن زمن ماضٍ، فوقوف امرئ القيس في الحاضر على الطلل يدل على حرمانه في الحاضر من التواصل العاطفي مع حبيبته، أو حبيباته، ومما يثير الانتباه أنَّ الشاعر يذرف دموعه عند طلل مجدب يخلو من كل مظهر من مظاهر الحياة، نباتية أو حيوانية، وحتى قيعانه تخلو من المياه، إذن هناك طلل مجدب وشاعر يبكي، ورفاق يواسون أو يعذلون، يقول امرؤ القيس:
قِفا نَبكِ من ذكرى حَبيبٍ وَمنزلِ
بسقِطِ اللِّوَى بين الدَّخولِ فَحوملِ (1)
فتُوضِحَ فالمِقراةِ لم يَعفُ رَسمُها
لما نَسَجتها من جَنوبٍ وَشَمأَلِ (2)
تَرَى بَعَرَ الآرآمِ في عََرصاتِها
(1) ـ اللوى: ما التوى من الرمل، وسقط اللوى: منتهاه، الدخول وحومل وتوضح والمقراة: أسماء أماكن .
(2) ـ لم يعف: لم يمح، النسج: من نسجت الريح إذا ضربته فانتسجت له طرائق كالحبك .