مع أنه كان يكفي سلامة موسى كنموذج يمثل العمه الحضاري الذي يستورد النموذج الغربي العلماني دون وعي في لحظة العشق والهيام بالأَوْرَبة ، فإن هناك عاشقًا آخر من المسلمين هذه المرة وليس من المسيحيين ، ومن الأزهر بالتحديد الصرح الذي تضع فيه الأمة الإسلامية ثقتها وطموحها في مواجهة الغزو الثقافي والغارة الفكرية ، إنه طه حسين الذي توغل في نفس التيار التغريبي فأعلن أن السبيل""واضحة بينة ، مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء ، وهي واحدة فذة ، ليس لها تعدد ، وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم ، لنكون لهم أندادًا ، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها ، حلوها ومرها ، ما يُحب منها وما يُكره، وما يُحمد منها وما يُعاب ومن زعم لنا غير ذلك فهو خادع أو مخدوع"" (1) .
إنها الوثوقية المطلقة ، ولست أدري أين ذهب الشكك الديكارتي الذي دعا إليه طه حسين في"الشعر الجاهلي" (2) ؟ لماذا لا تكون هناك مسالك أخرى للحضارة تختلف عن المسار الذي سلكته حضارة أوربا ، ثم لماذا ما يُحب وما يُكره ، وما يُحمد وما يُذم ؟ لماذا لا تكون الأولى دون الثانية ؟ أم أن"الما"يكره من أوربا ، و"الما"يعاب منها له مذاق آخر لا بد من تذوقه في نظر عميد الأدب العربي !؟ .
(1) طه حسين"مستقبل الثقافة في مصر"1 / 41 . الهيئة المصرية العامة للكتاب - 1993 / د . ط .
(2) انظر: طه حسين"في الشعر الجاهلي"ص 21 . دار المعارف للطباعة والنشر - سوسة - تونس - الطبعة الثالثة - 2000 م .