الصفحة 24 من 37

والغريب أن المتغربين الذين يريدون الاندماج في الغرب من أجل خلاص الأمة من أزماتها لم يدركوا أن تقمص الأمة لذات حضارية أخرى لا يحل المشكلة بل يزيدها ويولد مشكلة جديدة تتمثل في الضياع أو الانفصام الحضاري مما قد يهدد الوجود ذاته . ولو أدرك هؤلاء لعلموا أن أزمتنا تتمثل في انعدام الاعتماد على الذات أصلًا، وشيوع التواكل بين أفراد النخبة ، وفساد القادة واستبداد الحكام وعدم تبصرهم بمصالح الأمة ، بل عدم التفكير فيها حاضرًا فضلًا عن المستقبل ، مما جعل الهوة واسعة جدًا بيننا وبين الغرب الذي صنع الآلة ، وسد حاجته منها وبدأ يبحث عن مستهلك ، فوجدنا مهيئين تمامًا لنكون سوقًا له ، وما دمنا نعتمد عليه في ذلك فسوف نظل متغربين""ومن الطريف أننا إذا صنعنا الآلة فسوف نصير مرضى بمرض الآلة تمامًا كالغرب الذي يرتفع صوته وصراخه من التكنولوجيا والآلة"" (1) .

ولكن من الذي قال إنهم لم يدركوا ، إن التغرب يحقق لهم القيادة والنخبوية ، وهذا يقتضي منهم أن يتنازلوا عن ذواتهم ويذوبوا في غيرهم ، ويتنازلوا عن هوياتهم وتاريخهم وكل مقومات إنسانيتهم ، ويأخذوا مقابل ذلك المال ، ولكن العدو أذكى من أن يعطيهم المال ، إنه يعود فيسترده منهم ببضائعه ومنتجاته التي سلبت عقولهم ، وأعمت عيونهم ((2) .

لقد كان الغساسنة والمناذرة متشبهين مقلدين للروم والفرس في كل شيء في لباسهم وفي قصورهم وعاداتهم ، ومع ذلك لم يبنوا حضارة لأن التشبه نوع من المسخ ولا يشكل حضارة ، الحضارة بناها أناس ظلوا محافظين على بداوتهم وعاداتهم ، ولم يحتاجوا أن يلبسوا القبعة ، ولا أن يرقصوا على الطريقة الغربية ، ومع ذلك صنعوا الحضارة وصدروها للناس (3) .

(1) جلال آل أحمد"الابتلاء بالتغرب"ص 20 .

(2) انظر: علي شريعتي"العودة إلى الذات"ص 144 .

(3) انظر: علي شريعتتي"العودة إلى الذات"ص 144- 145 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت