الصفحة 25 من 37

المتفرنج شبه إنسان ؛ لأن الإنسان الأوربي أخلى باطنه من المحتوى الإنساني والفكري والكيان الخلاق ، حتى أصبح من قمة رأسه إلى أخمص قدميه معدة مفتوحة ، وفمًا فاغرًا يلتهم المنتجات الأوربية ، ويكافئه الأوربي بأن يدهن له جلده الأجرب المنتن بالدهن الأوربي ، ويلبسه لباسًا أوربيًا ، ويرجّل شعره على الطريقة الأوربية ، ثم يُشحن بالحركات والسكنات والإشارات الأوربية التقليدية المزيفة الشبيهة بالكليشهات تمامًا كما تُعبأ الآلة الحاسبة أو الساعة الرقمية ، ثم يُرسَل إلى قومه ليُعطى الإذن بالعمل ويتحرك كما أراد له سادته ، ويُوصف عند ذلك بأنه عصري متحضر أمام أبناء جنسه لتُثار فيهم داعية التقليد والاستهلاك ، ولكنه يظل بين سادته يعرف قدره ولا يتجاوز حدوده ، فيتقبل وصفهم له بأنه مقلد متشبه ليظل الشعور بالنقص يلازمه، وتظل جدلية الأم والطفل فعالة (1) . وكلما حاول أن يثبت ولاءه ويقول لسادته لقد صرت متحضرًا مثلكم يبتسم الغربي ويقول: لمّا بعد لأننا لا نزال ننتج، ولا نزال بحاجة إلى مستهلكين ((2) .

وكلما تسارعت وتيرة الإنتاج كلما ازدادت سرعة الاستهلاك - كما هو الحال في بعض دول الخليج - من أجل اللحاق بالركب المتأورب - لأنهم جاءوا متأخرين - ويظل الغرب سعيدًا بهؤلاء الممسوخين الذي لا يملُّون من الركض وراءه ولا يشبعون من نهم الاستهلاك (3) .

(1) انظر: علي شريعتي""العودة إلى الذات"ص 63 ، 64 ."

(2) انظر: السابق ص 126 .

(3) انظر: السابق ص 117 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت