فهرس الكتاب
لقد فهم الاستعمار وجرب أنه ما دامت الأمة تعتقد أن لها شخصية ، فإن النفاذ إليها ليس بالأمر السهل ، والثقافة والتاريخ في أمة دائمًا يؤديان إلى شخصية وتعصب ، ولا بد للاستعمار من أن ينفذ إلى داخلها عن طريق فصلها عن تاريخها وجعلها غريبة عن ثقافتها ، وعندما يرى المفكر نفسه خواء ، فاقدًا للأصالة ولا جذور له ، معطوبًا في شخصيته ، فلا مفر له من أن يقترب بنفسه عن وعي أو غير وعي من الأوربي ، الذي تبدل في هذه الحالة إلى أصالة إنسانية مطلقة ، وصاحب ثقافة ، وقيم معنوية مثالية وكمال مطلق ، كما تغزل سلامة بالإنجليز ، وقاسم أمين بالفرنسيين ، ويصير مفتونًا به ضائقًا من نفسه ، ويعوِّض بالتظاهر بالسمات الأوربية فقدانَه لخصائصه الأصلية وفقر شخصيته وخلائها (1) .
أليس هذا هو السبب في أن العلمانيين لا يرون في تاريخنا إلا السواد والظلام ، إنه ممسوخٌ في عقولهم لأنهم قرؤوه بعقول ممسوخة ، ومظلم في أعينهم لأن الغرب ألبسهم نظارات سوداء .
عندما فعل الغرب ذلك - أي مسخ تاريخ الأمم المغلوبة - لم يعد لديه شيء آخر يقوم به ، ذلك لأن الأمم نفسها جاهدت بكراهية وحقد خارقين للعادة في تخريب أنفسها بقدر ما تستطيع ، وتحقير دينها وأخلاقها وأصالتها التي مُسخت ، وبشوق وإصرار ألقت بأنفسها في أحضان الغرب . كالطفل عندما يتعرض لغضب أمه يلجأ إليها هي نفسها من أجل أن يقاومها ويلقي بنفسه في أحضانها (2) .
(1) انظر: علي شريعتي"العودة إلى الذات"ص 108 .
(2) انظر"علي شريعتي"العودة إلى الذات ص 108 .