فهرس الكتاب
المبحث الثاني
رأي جمهور الفقهاء في العقار الذي لا يقبل القسمة
خرج جمهور الفقهاء على ما ذهب إليه الأحناف في ثبوت الشفعة فيما لا يقبل القسمة، وقالوا بعدم ثبوتها فيه [1] .
وأدلتهم على ما ذهبوا إليه السنة والمعقول:
السنة:
-روى البخاري عن جابر -رضي الله عنه- قال: «إنما جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» فكأنه قال: الشفعة فيما يمكن فيه القسمة ما دام لم يقسم [2] .
ورد هذا الاستدلال: إنه لا يلزم من كون ما وقعت فيه الحدود، وصرفت فيه الطرق هو القابل للقسمة؛ لجواز أن يكون المقصود بما لم يقسم ما لم تحصل فيه القسمة مطلقًا سواء أكان قابلًا للقسمة، أم لم يكن قابلًا لها.
ولأن الحديث قد حصر الشفعة فيما لم يقسم مطلقًا، فتثبت الشفعة فيما لا يقبل القسمة، كما تثبتت فيما يقبلها.
أما المعقول:
فهو أن الشفعة إنما شرعت لدفع ضرر القسمة، وهو ما يترتب على القسمة من المؤن، وضيق المرافق، وهذا يتأتى فيما يقبل القسمة، أما ما لا يقبل القسمة فلا شفعة فيه؛ لانتقاء ما شرعت الشفعة من أجله وهو: ضرر القسمة وما يترتب عليها من المؤن ومضايقة الشركاء [3] .
ورد هذا أيضًا: بأن الشفعة كما شرعت لرفع ضرر القسمة، شرعت لرفع ضرر الجوار والشركة، ولا شك أن ضرر الشركة موجود فيما لا يقبل القسمة، كما وجد فيما يقبلها، من أجل هذا شرعت الشفعة في العقارات مطلقًا لرفع ضرر الدخيل مطلقًا، ومنه ضرر الشركة.
والرأي المختار:
هو ما ذهب إليه السادة الأحناف من ثبوت الشفعة فيما لا يقبل القسمة كما ثبتت فيما يقبلها، وذلك لقوة أدلتهم، وأيضًا فإن الشفعة كما قلنا شرعت لدفع ضرر الدخيل مطلقًا ضرر شركة أم ضرر مجاورة، وضرر كهذا إذا وقع فيما يقبل القسمة يكون وقوعه فيما لا يقبلها أشد وأبلغ.
(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد القرطبي: جـ 2، ص 258، والروض المربع شرح زاد المستنفع للبهوتي، وحاشية الروض المربع للشيخ العنقري: جـ 2، ص 400.
(2) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد: جـ 2 ص 528.
(3) المغني لابن قدامة: جـ 5، ص 466 - جـ 2، ص 258.