فهرس الكتاب
الله عليه وسلم قيَّد وصف الشهادة بقيود ثقال، كالإخلاص وإرادة إعلاء كلمة الله تعالى، كقوله: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .
كما أنه عليه الصلاة والسلام نفى حصول الشهادة لأناس، بسبب ما قام فيهم من المانع كالغلول، أو القتال حمية أو رياءً، وعلى هذا فالذي ينبغي أن نقوله لمن قتل بسبب من أسباب الشهادة: هو شهيد إن شاء الله، أو: نرجو له الشهادة، ونحو ذلك.
ومما يؤيد هذا القول بالإضافة إلى ما تقدم من أدلة القول الثاني ما يلي:
1 -أن من شرط قبول الأعمال: النية الخالصة، وهي مما لا سبيل إلى العلم بها، لأن محلها القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب، وقد جاء في الصحيحين عن أبي مُوسَى رضي الله عنه قال: جاء رَجُلٌ إلى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ َقَالَ: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [1] .
وفي رواية: الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ قال: (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [2] .
قال النووي:"فيه بيان أن الأعمال إنما تحسب بالنيات الصالحة، وأن الفضل الذي ورد في المجاهدين في سبيل الله يختص بمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا" [3] .
وقال الشيخ ابن عثيمين:"مدار الشهادة على القلب، ولا يعلم ما في القلب إلا الله عز وجل، فأمر النية أمر عظيم، وكم من رجلين يقومان بأمر واحد يكون بينهما كما بين السماء والأرض، وذلك من أجل النية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) [4] والله أعلم" [5] .
(1) البخاري: كتاب: الجهاد، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا (3/ 1034) ح (2655) ومسلم: كتاب: الإمارة، باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله (13/ 53) ح (1904) .
(2) البخاري: كتاب: التوحيد، باب: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) (6/ 2714) ح (7020) ومسلم: الموضع السابق.
(3) شرح النووي على مسلم (13/ 53) وينظر: الفتح (6/ 28، 29) .
(4) متفق عليه من حديث عمر رضي الله عنه: البخاري في مواضع: في كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1/ 3) ح (1) وفي كتاب: الأيمان والنذور، باب: النية في الأيمان (6/ 2461) ح (6311) وفي كتاب: الحيل، باب: في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى في الأيمان وغيرها (6/ 2551) ح (6553) ومسلم: في كتاب: الإمارة، باب: قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية) (13/ 57) ح (1907) .
(5) المجموع الثمين (122) .