الصفحة 31 من 46

بالاستثناء، والاستثناء معناه: عدم القطع والجزم، فيقال مثلًا: هو شهيد إن شاء الله، أو: يرجى له الشهادة، ونحو ذلك.

ومثل هذا ما كان عليه السلف في لفظ الإيمان، حيث كان من هديهم الاستثناء فيه -لكونه يتعلق بباطن الشخص ومآله [1] - ومن ذلك:

أن رجلًا قال عند ابن مسعود رضي الله عنه: أنا مؤمن، فقال ابن مسعود:"أفأنت من أهل الجنة؟"فقال: أرجو، فقال ابن مسعود:"أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى" [2] .

وروى أبو وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال:"من شهد أنه مؤمن فليشهد أنه في الجنة" [3] .

ورَوى عنه أيضًا: أن رجلًا قال له: بينا نحن نسير إذ لقينا ركبًا، فقلنا: من أنتم؟ فقالوا: نحن المؤمنون، فقال:"أولا قالوا: إنا من أهل الجنة؟!" [4] .

وسُئل الأوزاعي فقيل له: أترى أن يشهد الرجل على نفسه أنه مؤمن؟ فقال:"ومن يقول هذا؟!"فقيل: فكيف يقول؟ قال:"يقول: أرجو، ولكنهم المسلمون، تحل مناكحتهم، وذبائحهم، وتجري عليهم الحدود، وهم في الاسم عندنا مسلمون، ولا ندري ما يصنع الله بهم، ولا أشهد على أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنجاة"قيل: فالشهداء؟ قال:"الشهداء في الجنة، فأما أحد أُسميه باسمه، أشهد أنه في الجنة بعد النبيين فلا".

قال:"وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة) فهذا وأشباهه من الأحاديث عندنا حق" [5] .

وقال ابن بطة بعدما قرر صحة الاستثناء، وأنه طريق الأنبياء والعلماء والعقلاء، وجميع من مضى من السلف والخلف، وأشار إلى أن من أوجه صحة الاستثناء: البعد عن التزكية، لأن من شهد على نفسه بالإيمان فقد شهد لها بالجنة، قال:"فهذه سبيل المؤمنين وطريق العقلاء من"

(1) مذهب جمهور السلف جواز الاستثناء في الإيمان وليس ذلك على سبيل الشك فيه، وإنما لأنهم يلحظون في ذلك عدة اعتبارات، كخوف التزكية، وعدم القبول، ونحو ذلك. [ينظر: الإيمان لأبي عبيد (21 - 22) والشريعة للأجري (2/ 656) وما بعدها، والإبانة لابن بطة (2/ 862) وما بعدها، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (5/ 1037) وما بعدها، ومجموع الفتاوى (13/ 41) وزيادة الإيمان ونقصانه وحكم الاستثناء فيه للدكتور عبد الرزاق البدر (464 - 477) ] .

(2) رواه أبو عبيد في الإيمان (20) والآجري في الشريعة (2/ 664) وابن بطة في الإبانة، تحقيق: رضا بن نعسان معطي (2/ 869، 870) وقال الألباني في تعليقه على كتاب الإيمان لأبي عبيد:"رجال إسناده ثقات رجال الستة، إلا أنه منقطع بين الحسن وابن مسعود".

(3) رواه ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (49) وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (1/ 338) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (5/ 1048) وقال الألباني في تعليقه على كتاب الإيمان لابن أبي شيبة:"والسند إليه صحيح"يعني أبا وائل.

(4) رواه أبو عبيد في الإيمان (20) وابن أبي شيبة في الإيمان (20) وعبد الله بن الإمام أحمد في السنة (1/ 322) وابن بطة في الإبانة، تحقيق: رضا بن نعسان معطي (2/ 869) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (5/ 1049) وقال الألباني في تعليقه على كتاب الإيمان لأبي عبيد:"إسناده على شرط الشيخين".

(5) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (5/ 1054) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت