الصفحة 32 من 46

العلماء: لزوم الاستثناء والخوف والرجاء، لا يدرون كيف أحوالهم عند الله، ولا كيف أعمالهم أمقبولة هي أم مردودة؟ قال الله عز وجل: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [1] وأخبر عن عبده الصالح سليمان عليه السلام في مسألته إياه: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) [2] أفلا تراه كيف يسأل الله الرضا منه بالعمل الصالح، لأنه علم أن الأعمال ليست بنافعة، وإن كانت في منظر العين صالحة إلا أن يكون الله عز وجل قد رضيها وقبلها، فهل يجوز لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجزم أن أعماله الصالحة من أفعال الخير، وأعمال البر، كلها مرضية، وعنده زكية، ولديه مقبولة؟! هذا لا يقدر على حتمه وجزمه إلا جاهل مغتر بالله، نعوذ بالله من الغرة بالله، والإصرار على معصية الله" [3] ."

ثم قال عن الاستثناء:"بهذا مضت سنة المسلمين، وعليه جرت عاداتهم، وأخذه خلفهم عن سلفهم، فليس يخالف في الاستثناء في الإيمان، ويأبى قبوله إلا رجل خبيث مرجئ ضال، قد استحوذ الشيطان على قلبه نعوذ بالله منه" [4] .

ونصَّ اللالكائي على وجوب الاستثناء في الإيمان فقال:"سياق ما ذكر من كتاب الله، وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة والتابعين من بعدهم، والعلماء الخالفين لهم، في وجوب الاستثناء في الإيمان" [5] ثم ساق النصوص في ذلك، وكان مما أورده حديث عُمَرُ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فُلاَنٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (كَلاَّ إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ) . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ) . قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيْتُ:"أَلاَ إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ الْمُؤْمِنُونَ" [6] .

وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في عقيدته:"والاستثناء في الإيمان سنة ماضية، فإذا سئل الرجل: أمؤمن أنت؟ قال: إن شاء الله، رُوي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وعلقمة بن قيس،"

(1) سورة: المائدة، آية: (27) .

(2) سورة: النمل، آية: (19) .

(3) الإبانة (2/ 872) وينظر: (2/ 862 - 867) والشريعة للآجري (2/ 656) وما بعدها.

(4) الابانة (2/ 873) .

(5) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (5/ 1037) .

(6) ينظر: (5/ 1046) والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت