فهرس الكتاب
قال الداودي:"المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفسقة، لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم" [1] .
وقال الذهبي -رحمه الله تعالى-:"العدل أن من رآه المسلمون صالحًا محسنًا فهو كذلك، لأنهم شهداء الله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة، وأن من رآه المسلمون فاجرًا أو منافقًا أو مبطلًا، فهو كذلك، وأن من كان طائفة من الأمة تضلله، وطائفة من الأمة تثني عليه وتبجله، وطائفة ثالثة تقف فيه وتتورع من الحط عليه، فهو ممن ينبغي أن يعرض عنه، وأن يفوض أمره إلى الله، وأن يستغفر له في الجملة، لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريح ويصفو قلبك من الغل للمؤمنين."
ثم اعلم أن أهل القبلة كلهم، مؤمنهم وفاسقهم، وسنيهم ومبتدعهم -سوى الصحابة- لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصِّدِّيق فرد الأمة، قد علمت تفرقهم فيه، وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك علي، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون، وكذلك بشر المريسي، وكذلك أحمد بن حنبل، والشافعي، والبخاري، والنسائي، وهلم جرًا من الأعيان في الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمام كامل في الخير إلا وثم أناس من جهلة المسلمين ومبتدعيهم يذمونه ويحطون عليه وما من رأس في البدعة والتجهم والرفض إلا وله أناس ينتصرون له، ويذبون عنه، ويدينون بقوله بهوى وجهل، وإنما العبرة بقول جمهور الأمة الخالين من الهوى والجهل، المتصفين بالورع والعلم" [2] ."
وأما ما ورد عن بعض أهل العلم من إطلاق وصف الشهادة على معينين، فلعلَّ مرادهم -والله تعالى أعلم-: أنهم ماتوا بسبب من أسباب الشهادة التي نصَّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه فيرجى لهم ثواب الشهادة، من دخول الجنة وغيره [3] ، لا أنهم أرادوا بذلك القطع له بثواب الشهادة، فإن هذا لا يعلم إلا بوحي، وهذا معنى صحيح، لكنه يلتبس بالمعنى الآخر الذي لأجله قيل بعدم الجواز، ولهذا فالأولى عدم إطلاق هذا اللفظ - (الشهيد) - على معينٍ، وإن
(1) نقل ذلك عنه الحافظ في الفتح (3/ 230) وينظر الفروع لابن مفلح (3/ 304) .
(2) السير (14/ 343 - 345) .
(3) وعليه تُحمَل فتوى كلٍ من الشيخين: ابن تيميه وابن باز عليهما رحمة الله تعالى، فتأملهما فيما من هذا البحث، والله أعلم.