فهرس الكتاب
ب - الشورى في القرآن الكريم:
ذكرنا في مقدمة هذا البحث أن القرآن الكريم أشار إلى الشورى في مواضع منه. ونريد أن نلقي على هذه الدائرة شعاعًا من نور، وأن نزيد تلك الإشارة فضل بيان، وزيادة تفصيل وتكميل.
جاء ذكر الشورى باسمها ومشتقاتها في ثلاث سور ثنتان منها من السبع الطوال وهما البقرة وآل عمران. ومعلوم أن كلا السورتين نزل بالمدينة وضلت البقرة نصًا مفتوحًا على مدى سنين ومنها ما نزل أول العهد المدني ومنها ما نزل أخره بل منها أخر آية [1] نزلت في قول بعضهم ونزلت آل عمران في أجواء أحد وما ابعها من هموم وتكاليف وأما السورة الثالثة فمن المثاني من أل حم [2] وهي سورة الشورى ومعلوم أنها نزلت في مكة. وفي هذا إشارة ناطقة , ودلالة واضحة على أن الشورى لازمة من لوازم المسلمين في كل أحوالهم وأطوارهم ومراحل حياتهم مستضعفين كانوا أو متمكنين، في قلة كانوا أو في كثرة؛ أصحاب دولة وصولة وسلطان يهاب أن متجردين من ذلك كله يخافون أن يتخطفهم الناس.
إن وصف المؤمنين ذو تشاور وهم في حالة استضعاف لدليل قاطع، وبرهان ساطع على أن أمر الشورى يتجاوز السياسة بمعناها المحدود والدولة بمبناها المرسوم ليشمل كل أمر من أمور المسلمين لا فرق في ذلك بين سياسة واقتصاد واجتماع وما شئت من تقسيمات. فما من شيء تركه الشارع الكريم عفوًا مسكوتًا عنه إلا وهو داخل دخولًا أوليًا في دائرة الشورى لا ينازع في ذلك منازع وما أوسعها من دائرة وما أرحبها من مجال وما أفسحها من فرصة وما افيحه من سهل إن كل ما يسميه الفقهاء بالمصالح المرسلة تدخل من أي باب من أبواب الشورى شاءت بلا حرج ولا عنت ولا حساسية.
أما الأيات من السور الثلاثة فهي قوله تعالى:
1 - {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفسًا إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له لولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالًا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما .. } البقرة 233
2 - {فمبا رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضًا غليظ الفلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} آل عمران 159.
3 - {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} الشورى 38.
الآية الأولى تتحخدث عن أمر أسري بين امرء وزوجه في أمر يتعلق بالرضاع والفصال [3] وهو من الأمور الأسرية التي ينص عليها القرآن الكريم لئلا يضيع الولد
(1) هي قوله سبحانه {واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله .. } البقرة 281 - انظر الاتقان للسيوطي.
(2) أثر عن ابن مسعود قوله:"إذا وقعت في آل حم وقعت في رياض دمثات أتأنق فيهن".
(3) الفصال بمعنى الفطام وابعاد الطفل عن ثدي امه ومنه يقال لصغار ولد الناقة فيصل، قال افرزدق:
كم خالة لك يا جرير وعمة ... فدعاء قد حلبت علي عشاري
شغارة ... تقذُ ... الفصيل ... رجلها فطارة لقوادم الأبكار