فهرس الكتاب
التحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ولم يعين من يخلفه. وهذا في حد ذاته يدل على أن الأصل في الحكم التشاور والتداول والاختيار لا التعيين والنص المباشر. اجتمع في سقيفة [1] بني ساعدة جمهور من الانصار ولحق بهم ثلاثة من المهاجرين. وكانت المحاورة الحرة المفتوحة فيمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لا تخلو من شدة وحدة أحيانًا. طرحت الأراء في حرية وجرأة وشجاعة. الأمرلنا نخن الانصار [2] ... هذا الأمر لا يصلح إلا في هذا الحي من قريش [3] ... منا أمير ومنكم أمير [4] ... نحن [المهاجرون] الأمراء وأنتم الأنصار الوزراء لا نفتات عليكم ... ابسط يدك أبايعك قال عمر بعد أن قال أبوبكر رضيت لكم أحد هذين الرجلين يعني عمر وأبا عبيدة ... لا تنازعوا هذا الأمر أهله [5] ... وهكذا يمضي التداول الفسيح حتى يُبايع لأبي بكر. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل عد ذلك ضرب من ضروب الترشيح حتى تمت البيعة العامة في المسجد فتولى أبو بكر الخلافة فسار بها على نهج الشورى. كان عزمه على انفاد بعث أسامة بن زيد رغم معارضة بعضهم لأنها إتمتم لما بدأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عزمه على قتال المرتدين لما في ترك الزكاة من نقص في الدين {فإن تابوا وأقامزا الصلاة وأتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} التوبة 11. وكان جمع [6] القرآن باقتراح من عمر ومناقشة أدت إلى اقتناع فإنفاذ.
واسترد أرضًا كان قد أقتطعها للأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن بعد أن تبين أن هذا مما لا يستبد به دون ذوي الرأي من المسلمين وهكذا مضت خلافته الراشدة راقية مشهودة ... ولم تتم خلافة راشدة واحدة غلا ببيعة عامة محضورة.
استخلف أبو بكر عمر والاستخلاف إن هو غلا ترشيح ليس له من أثر قانوني دستوري إلا بالرضى الذي تعبر عنه البيعة العامة من قبل المسلمين. ولا يشترط في البيعة أن تكون إجماعًا، فتخلف بعضهم - كما روي في بيعة أبي بكر غذ تخاف عنها مثلًا سعد بن عبادة - لا يضر ما دامت الجمهرة الغالبة راضية. ومن أبرز الأمثلة التي وقع فيها خلاف في الرأي كبير ارض السواد بالعراق إذ ذهب جماعة من بينهم عبد الرحمن بن عوف وبلال بن رباح أنها فيء ينبغي ألا يحبس عن المقاتلين؛ وكان من رأي عمر -ر وهو ينتظر إلى مستقبل الاجيال القادمة نظرة عبقرية نافذة - ألا تقسم بل تترك مالًا عامًا مشتركًا بين السابقين واللاحقين ولكنه لم يستبد بهذا الرأي لأن الاستبداد ليس من طبيعة الإسلام ولا المسلمين بل ظل يشاور ويأخذ ويعطي ويناقش ويجادل حتى شرح الله الصدور وهداهم إلى رشدهم ووجدوا ضالتهم المنشودة في آيات سورة الحشر سورة بني النضير التي ذكرت فيمن يليهم الفيء الله ورسوله وذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ثم ذكرت المهاجرين والأنصار ثم ذكرت {والذين جاءوا من بعدهم} الحشر 7 - 11.
وضرب عمر رضي الله عنه مثلًا رائعًا في التواضع لله، والوقوف عند كتابه وسنة رسوله وتوطئة الكنف لخلقه وسماع النصيحة غير مستنكف ولا مستكبر"أصابت"
(1) كانت مكتنًا لتبادل الآراء للأنصار بالمدينة كما دار الندوة للقريشيين بمكة.
(2) كان هذا رأي سعد بن عبادة الخزرجي وجماعة.
(3) قالها أبو بكر الصديق.
(4) قالها الحباب بن المنذر.
(5) قالها أبو النعمان بن بشير الانصاري.
(6) قصة جمع القرآن مذكورة في الصحيحين والسنن.