فهرس الكتاب
إنهم إذا جزعوا على الحسين ولم يجزعوا على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على غيره من الأنبياء وأبطال الملة دل ذلك على أن جزعهم لم يكن على الحسين ولم يكن تأسيًا به ولا مواساة له، وإنما هو الجهل والعناد والثورة على سلاطين المسلمين وخلفائهم ومحاولة إضرام الفتن وإيقاظ النائم منها، ولو لم يكن هذا هو ما يريدون ويعنون لما خصوا قتيل كربلاء بذلك دون العالمين جميعًا، والدليل على أن هذا هو غرضهم وما يرمون إليه أنهم يسمون هذه المواكب مظاهرات كما تقدم، والمظاهرات ظاهر ما يعني بها وما يراد منها، والدليل أيضًا زعمهم الآنف: أن ترك هذه المآتم تضييع لغرض استشهاد الحسين ولما أراده من وراء تقديمه نفسه ضحية، وقد ذكروا أن لهذه المواكب أسرارًا وحكمًا سامية مقدسة يعجز عن بيانها اللسان والبيان، وما هذه الأسرار والحكم المزعومة سوى محاولة الثورة والفتن المحرقة وتغيير النفوس على أوائل المسلمين وعلى خلفائهم وملوكهم وسلاطينهم.
وكل هذا قد يهون، ولكن الذي لا يهون أبدًا هو زعمهم أن العويل في الطرقات وضرب الخدود والصدور بالحديد والآلات الجارحة ونتف الشعور والمناداة بالويل والثبور - من أعظم شعائر الإيمان وشعائر الإسلام ومن أعظم ما تنال به الشفاعة ويركب به في سفينة النجاة ! وكيف يزعم مسلم أن شيئًا من هذا فيه إعلاء للدين وإحياء له، وأن في تركه إماتته وإماتة الأئمة المعصومين الطاهرين، وكيف يقول من يؤمن بالله وباليوم الآخر: إن إقامة إنسان لضربه وللتمثيل به ولسبه ومحاولة الهجوم عليه على توهم أنه هو قاتل الحسين: كيف يدعي من يؤمن بالله وباليوم الآخر أن ذلك من العقل أو من الدين فضلًا عن أن يقال: إنه من أعلى مراتب الكمال وشعائر الدين ومشاعره هذه هي الفاضحة، وهذه هي سبة الإنسانية أين ذهبت ووجدت.